أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
410
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجوز في « مَنْ » ما جاز في « مَنْ » قبلها ، وأمال الأخوان وأبو بكر « أَعْمى » في الموضعين من هذه السورة ، وأبو عمرو أمال الأول دون الثاني ، والباقون فتحوها ، فالإمالة لكونهما من ذوات الياء ، والتفخيم ، لأنه الأصل . وأما أبو عمرو فإنه أمال الأول ، لأنه ليس أفعل تفضيل ، فألفه متطرفة لفظا وتقديرا ، والأطراف محل التغيير غالبا ، وأما الثاني : فإنه للتفضيل ، ولذلك عطف عليه . « وَأَضَلُّ » فألفه في حكم المتوسطة ، لأن من الجارة للمفضول كالملفوظ بها ، وهي شديدة الاتصال بأفعل التفضيل ، فكأن الألف وقعت حشوا ، فتحصنت عن التغيير . قلت : كذا قدّره ، والزمخشري . وقد ردّ هذا بأنهم أمالوا « وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ » مع التصريح ب « مِنْ » فلأن يميلوا « أَعْمى » مقدّرا معه « مَنْ » أولى وأحرى ، وهو مقيد باتباع الأثر ، وقد فرق بعضهم بأنّ « أَعْمى » في طه من عمي البصر ، وفي الإسراء من عمى البصيرة ، ولذلك فسروه هنا بالجهل ، فأميل هنا ، ولم يمل هناك للفرق بين المعنيين . قلت : والسؤال باق ، إذ لقائل أن يقول : فلم خصصت هذه بالإمالة ، ولو عكس الأمر ، كان الفارق قائما ؟ [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 73 إلى 77 ] وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ( 73 ) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 ) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 76 ) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً ( 77 ) قوله : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ . . . . إن : هذه فيه المذهبان المشهوران : مذهب البصريين : أنها مخففة واللام فارقة بينها وبين إن النافية ، ولهذا دخلت على فعل ناس ، ومذهب الكوفيين : أنها بمعنى « ما » النافية ، واللام بمعنى إلّا ، وضمن « يفتنونك » معنى يصيّرونك ، فلهذا عدي ب « عَنِ » تقديره : ليصرفونك بفتنتهم ، و « لِتَفْتَرِيَ » متعلق بالفتنة . قوله : وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ إذا : حرف جواب وجزاء ، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها ، و « لَاتَّخَذُوكَ » جواب قسم محذوف ، تقديره : إذا واللّه لا تخذوك ، وهو مستقبل في المعنى ، لأنّ « إِذاً » تقتضي الاستقبال ، إذ معناها المجازاة . وهذا كقوله : وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا « 1 » أي : ليظلنّ . وقول الزمخشري : أي : ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك . تفسير معنى لا تفسير إعراب . لا يريد بذلك أنّ « لَاتَّخَذُوكَ » جواب ل « نر » المحذوفة ، إذ لا حاجة إليه . قوله : . . . تَرْكَنُ . . . . العامة على فتح الكاف مضارع « ركن » بالكسر ، وقتادة ، وابن مصرف ، وابن أبي إسحاق : « يركن » بالضم مضارع « ركن » بالفتح وهذا من التداخل ، وقد تقدم تحقيقه في أواخر هود « 2 » . قوله : « شَيْئاً » منصوب على المصدر ، وصفته محذوفة ، أي : شيئا قليلا من الرّكون . قوله : . . . ضِعْفَ الْحَياةِ . . . .
--> ( 1 ) سورة الروم آية ، ( 51 ) . ( 2 ) آية رقم ( 113 ) .