أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
400
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أشهرهما : إنما تتعلق ب « أَعْلَمُ » ، كما تعلقت الباء ب « أَعْلَمُ » قبلها ، ولا يلزم من ذلك تخصيص علمه بمن في السماوات والأرض فقط . والثاني : أنها متعلقة ب « يعلم » مقدرا ، قاله الفارسي ، محتجا بأنه يلزم من ذلك تخصيص علمه بمن في السماوات والأرض : وهو وهم ، لأنه لا يلزم من ذكر الشيء نفي الحكم عمّا عداه ، وهذا هو الذي يقول الأصوليون أنه مفهوم اللقب ، ولم يقل إلا أبو بكر الدقاق في طائفة قليلة . قوله : زَبُوراً قد تقدّم خلاف القراء في هذا . ونكّره هنا ، دلالة على التبعيض ، أي : زبورا من الزّبر ، أو زبورا فيه ذكر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، فأطلق على القطعة منه زبورا ، كما يطلق على بعض القرآن ، ويجوز أن يكون « « زَبُوراً » علما ، فإذا دخلت عليه « أل » كقوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ « 1 » كانت للمح الأصل ، ك « عبّاس ، والعباس ، وفضل ، والفضل » . قوله : . . . الَّذِينَ زَعَمْتُمْ . مفعولا الزّعم محذوفان ، لفهم المعنى ، أي : زعمتموهم آلهة ، وحذفهما اختصارا جائز واقتصارا فيه خلاف . قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ . أولئك : مبتدأ ، وفي خبره وجهان : أظهرهما : أنه الجملة من « يَبْتَغُونَ » ، ويكون الموصول نعتا ، أو بيانا ، أو بدلا ، والمراد : الأنبياء ( الذين عبدوا من دون اللّه ، والمراد بالواو العباد لهم ، ويكون العائد على « الَّذِينَ » محذوفا ، والمعنى : أولئك الأنبياء ) الذين يدعونهم المشركون لكشف ضرهم ، أو يدعونهم آلهة ، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان . ف « يَبْتَغُونَ » يجوز أن يكون المراد بالواو ما أريد ب « أُولئِكَ » ، أي : الأنبياء الذين يدعون ربهم ، أو الناس إلى الهدى « يَبْتَغُونَ » ، فمفعول « يَدْعُونَ » محذوف . والثاني : أنّ الخبر نفس الموصول ، و « يَبْتَغُونَ » على هذا حال من فاعل « يَدْعُونَ » ، أو بدل منه . وقرأ العامة « يَدْعُونَ » بالغيبة . وقد تقدّم الخلاف في الواو ، هل تعود على الأنبياء أو على عابديهم ؟ وزيد بن علي بالغيبة أيضا ، إلّا أنه بناه للمفعول ، وقتادة وابن مسعود بتاء الخطاب ، وهاتان القراءتان تقويان أن الواو للمشركين ، لا للأنبياء في قراءة العامة . قوله : « أَيُّهُمْ أَقْرَبُ » في « أيّ » هذه وجهان : أحدهما : أنها استفهامية . والثاني : أنها موصولة بمعنى الذي ، وإنما كثر كلام المعربين فيها من حيث التقدير ، فقال الزمخشري : « و « أَيُّهُمْ » بدل من واو « يَبْتَغُونَ » ، و « أيّ » موصولة ، أي : يبتغي من هو أقرب منهم وأزلف ، أو ضمن الوسيلة معنى : يحرصون ، فكأنه قيل : أيهم يكون أقرب » . قلت : فجعلها في الوجه الأول موصولة ، وصلتها جملة من مبتدأ وخبر ، حذف المبتدأ وهو عائدها ، و « أَقْرَبُ » خبر « هو » واحتملت « أيّ » حينئذ أن تكون مبنية ، وهو الأكثر
--> ( 1 ) سورة الأنبياء آية ، ( 105 ) .