أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

39

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

لا ينعقد منه جواب شرط ، فكان ينبغي أن يأتي بجملة يصح منها جواب الشرط ، إذ لا يفهم من قوله : فذلك الجزء الذي حذف المتحصل به فائدة » . قلت : قد تقرّر أنّ اسم الإشارة قد يشار به إلى شيئين فأكثر وهو بلفظ الإفراد ، فكأن ذلك واقع موقع الجملة الواقعة جوابا ، ويجوز أن يكون قد حذف الخبر لدلالة المعنى عليه ، إذ التقدير : فذاك المراد والمتمنى أو نحوه . وقوله : إذ لا يفهم الخبر الذي حذف إلى آخره ممنوع ، بل هو مفهوم كما رأيت ، وهو شيء يتبادر إليه الذهن . قوله : ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ليست هنا للترتيب الزماني ، بل هي للترتيب الإخباري لا لترتيب القصص في أنفسها . قال أبو البقاء : « كقولك : « زيد عالم ، ثم هو كريم » . وقال الزمخشري : « فإن قلت : اللّه شهيد على ما يفعلون في الدارين ، فما معنى ثمّ ؟ قلت : ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب ، كأنه قال : ثم اللّه معاقب على ما يفعلون » . وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة « ثمّ » بفتح الثاء جعله ظرفا لشهادة اللّه ، فيكون « ثُمَّ » منصوب « شَهِيدٌ » ، أي : اللّه شهيد عليهم ، في ذلك المكان ، وهو مكان حشرهم ، ويجوز أن يكون ظرفا ل « مَرْجِعُهُمْ » أي : فإلينا مرجعهم ، يعني : رجوعهم في ذلك المكان الذي يثاب فيه المحسن ، ويعاقب فيه المسىء . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 49 إلى 50 ] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 49 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) قوله : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء متصل تقديره : إلّا ما شاء اللّه أن أملكه وأقدر عليه . والثاني : أنه منقطع ، قال الزمخشري : « هو استثناء منقطع ، أي : ولكن ما شاء اللّه من ذلك كائن ، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب ؟ » . قوله : أَ رَأَيْتُمْ . قد تقدم الكلام على « أرأيت » هذه ، وأنها تضمن معنى أخبرني ، فتتعدى إلى اثنين ثانيهما غالبا جملة استفهامية ، فيعقد منها مع ما قبلها مبتدأ أو خبر كقولهم : « أرأيتك زيدا ما صنع » ، وتقدم مذاهب الناس فيها في سورة الأنعام « 1 » فعليك باعتباره ثمّة ، ومفعولها الأول في هذه الآية الكريمة محذوف والمسألة من باب الإعمال ، لأنه تنازع « أرأيت » و « أَتاكُمْ » في « عذاب » ، والمسألة من إعمال الثاني ، إذ هو المختار عند البصريين ، ولمّا أعمله أضمر في الأول وحذفه ، لأن إبقاءه مخصوص بالضرورة ، أو جائز الذكر على قلة عند آخرين ، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، إذ الحذف منه لا يكون إلّا ضرورة أو في قليل من الكلام ، ومعنى الكلام : قل لهم يا محمد أخبروني عن عذاب اللّه إن أتاكم أي شيء تستعجلون منه ، وليس شيء من العذاب يستعجل به لمرارته وشدة إصابته ، فهو مقتضى لنفور الطبع منه . قال الزمخشري : « فإن قلت : بم يتعلق الاستفهام ؟ وأين جواب الشرط ؟ قلت : يتعلق ب « أَ رَأَيْتُمْ » ، لأن المعنى : أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون ، وجواب الشرط محذوف ، وهو : تندموا على الاستعجال ، أو تعرفوا الخطأ فيه . « قال الشيخ « 2 » : « وما قدره غير سائغ ، لأنه لا يقدر الجواب إلا بما تقدمه لفظا أو

--> ( 1 ) آية ، رقم ( 40 ) . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 166 ) .