أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
380
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لأن المترف إذا ملك ففسق ، ثم آخر بعده ففسق ، ثم كذلك كثر الفساد ، ونزل بهم على الآخر من ملوكهم . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 17 إلى 22 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) قوله : وَكَمْ أَهْلَكْنا . كم : نصب ب « أَهْلَكْنا » ، و « مِنَ الْقُرُونِ » تمييز ل « كَمْ » ، و « مِنْ بَعْدِ نُوحٍ » من : لابتداء الغاية ، والأولى للبيان ، فلذلك اتّحد متعلقهما . وقال الحوفي : « الثانية بدل من الأولى » . وليس كذلك لاختلاف معنييهما ، والباء « كَفى » تقدم الكلام عليها . وقال ابن عطية : « إنما يجاء بهذه الباء في موضع مدح أو ذم » . والباء في « بِذُنُوبِ » متعلقة ب « خَبِيراً » ، وعلّقها الحوفي ب « كَفى » . قال الشيخ « 1 » : « وهو وهم » قلت : وإنما جعله وهما ، لأنه لا يتعدى بالباء ، ولا يليق به المعنى . قوله : مَنْ كانَ . من : شرطية ، و « عَجَّلْنا » جوابه ، و « ما نَشاءُ » مفعوله ، و « لِمَنْ نُرِيدُ » بدل بعض من كل من الضمير في « لَهُ » بإعادة العامل في « لِمَنْ نُرِيدُ » تقديره : لمن نريد تعجيله له . قوله ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ جعل - هنا - ، و « يَصْلاها » الجملة حال إما من الضمير في « لَهُ » ، وإما من « جَهَنَّمَ » و « مَذْمُوماً » حال من الرفع : « يَصْلاها » . قيل : وفي الكلام حذف ، وهو حذف المقابل إذ الأصل : من كان يريد العاجلة ( وسعى لها سعيها وهو كافر ، لدلالة ما بعده عليه ، وقيل : بل الأصل من كان يريد العاجلة ) بعمله للآخرة كالمنافق . قوله : . . . سَعْيَها . . . . فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول به ، لأن المعنى وعمل لها عملها . والثاني : أنه مصدر ، و « لَها » ، أي : من أجلها . قوله : وَهُوَ مُؤْمِنٌ هذه الجملة حال من فاعل « سَعى » . قوله : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ . كلّا : منصوب ب « نُمِدُّ » ، و « هؤُلاءِ » عطف عليه ، أي : كل فريق نمد هؤلاء الساعين للعاجلة ، وهؤلاء الساعين للآخرة . وهذا تقدير جيّد . وقال الزمخشري : « في تقدير كل واحد من الفريقين نمد » .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 20 ) .