أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

378

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : . . . أَمَرْنا . . . . قرأ العامة بالقصر والتخفيف ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه من الأمر الذي هو ضد النهي ، ثم اختلف القائلون بذلك في متعلق هذا الأمر ، فعن ابن عباس في آخرين أنه أمرناهم بالطاعة ففسقوا . وقد ردّ الزمخشري هذا ردّا شديدا ، وأنكره إنكارا بليغا في كلام طويل ، حاصله : أنه حذف ما لا دليل عليه ، وقدر هو متعلق الأمر الفسق ، أي : أمرناهم بالفسق ، قال : أي : أمرناهم ففعلوا ، والأمر مجاز ، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم : افسقوا ، وهذا لا يكون ، فبقي أن يكون مجازا . ووجه المجاز أنه صبّ عليهم النعمة صبّا ، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه ، وإنما خولهم فيها ليشكروا . ثم قال : « فإن قلت : فهلّا زعمت أنّ معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا ؟ قلت : لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز ، فكيف ما الدليل قائم على نقيضه ، وذلك أنّ المأمور به إنما حذف ، لأن « فَفَسَقُوا » يدل عليه ، وهو كلام مستفيض يقال : أمرته فقام ، وأمرته فقرأ لا يفهم منه ، إلّا أن ( المأمور به قيام أو قراءة ، ولو ذهبت تقدر غيره ، فقد رمت من مخاطبك علم الغيب ، ولا يلزم على هذا قولهم : ) أمرته فعصاني ، أو فلم يمتثل ، لأن ذلك مناف للأمر مناقض له ، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به ، فكأن المأمور به في هذا الكلام غير منوي ، ولا مراد ، لأن من يتكلم بهذا الكلام لا ينوي لأمره مأمورا به ، فكأنه يقول : كان مني أمر ، فلم تكن منه طاعة ، كما أن من يقول : يأمر وينهى ويعطي ويمنع ، لا يقصد مفعولا ، فإن قلت : هلّا كان ثبوت العلم بأن اللّه لا يأمر بالفحشاء دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا ، قلت : ( لا يصح ذلك ) لأن قوله « فَفَسَقُوا » يدافعه ، فكأنك أظهرت شيئا وأنت تضمر خلافه ، ونظير « أمر » ، « شاء » : في أنّ مفعوله استفاض حذف مفعوله ، لدلالة ما بعده عليه ، تقول : لو شاء لأحسن إليك ، ولو شاء لأساء إليك . « تريد : لو شاء الإحسان ، ولو شاء الإساءة ، ولو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت . وقلت : قد دلّت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان ، أو من أهل الإساءة ، فاترك الظاهر المنطوق وأضمرت ما دلت عليه حال المسند إليه المشيئة لم تكن على سداد » . وتتبعه الشيخ « 1 » في هذا فقال : « أما ما ارتكبه من المجاز فبعيد جدا ، وأما قوله : لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز فتعليل لا يصح فيما نحن بسبيله ، بل ثمّ ما يدل على حذفه ، وقوله : فكيف يحذف ما الدليل على نقيضه إلى قوله علم الغيب ، فنقول : حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقة عليه ، ومنه ما مثل به في قوله : أمرته فقام ، وتارة يكون لدلالة خلافه ، أو ضده ، أو نقيضه ، كقوله تعالى : وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 2 » أي : ما سكن وتحرك ، وقوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 3 » أي : والبرد ، وقول الشاعر : 3070 - وما أدري إذا يمّمت أرضا * أريد الخير : أيّهما يليني « 4 » أألخير الّذي أنا أبتغيه ؟ * أم الشّرّ الّذي هو يبتغيني ؟ أي : واجتنب الشر ، وتقول : أمرته فلم يحسن ، فليس المعنى أمرته بعدم الإحسان بل المعنى أمرته بالإحسان فلم يحسن ، والآية من هذا القبيل يستدل على حذف النقيض بنقيضه ، كما يستدل على حذف النظير بنظيره ،

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 19 ) . ( 2 ) سورة الأنعام آية ، ( 13 ) . ( 3 ) سورة النحل آية ، ( 81 ) . ( 4 ) تقدما .