أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

360

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أن يكون بدلا من « الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ » أي : إنما يفتري الكذب من كفر . الثاني : أنه بدل من « الْكاذِبُونَ » . والثالث : من « أُولئِكَ » ، قاله الزمخشري . فعلى الأول يكون قوله : « وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ » جملة معترضة بين البدل والمبدل منه . واستضعف الشيخ الأوجه الثلاثة ، فقال : « لأن الأول يقضي أنه لا يفتري الكذب إلّا من كفر باللّه ، من بعد إيمانه ، والوجود يقتضي أنّ المفتري من لا يؤمن سواء كفر بعد إيمانه أم لا ، بل الأكثر الثاني ، وهو المفتري . قال : « وأما الثاني فيؤول المعنى إلى ذلك ، إذ التقدير : وأولئك الذين لا يؤمنون هم من كفر باللّه من بعد إيمانه ، والذين لا يؤمنون هم المفترون ، وأما الثالث فكذلك ، إذ التقدير أن المشار إليهم هم « مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ » مخبرا عنهم بأنهم الكاذبون » . الوجه الرابع : أن ينتصب على الذم ، قاله الزمخشري . الخامس : أن يرتفع على خبر ابتداء مضمر على الذم أيضا . السادس : أن يرتفع على الابتداء والخبر محذوف ، تقديره : فعليهم غضب ، لدلالة ما بعد « مَنْ » الثانية . السابع : أنها مبتدأ أيضا وخبرها وخبر « مَنْ » الثانية أيضا قوله : « فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ » قاله ابن عطية ، قال : إذ هو واحد بالمعنى ، لأنّ الإخباري في قوله : « مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ » إنما قصد به الصنف الشارح بالكفر . قال الشيخ « 1 » : وهذا وإن كان كما ذكر ، إلا أنهما جملتان شرطيتان ، وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك ، فلا بد لكل واحدة منهما على انفرادها من جواب لا يشتركان فيه ، فتقدير الحذف أحرى على صناعة الإعراب . وقد ضعّفوا مذهب الأخفش في ادعائه أنّ قوله : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ، وقوله : فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ جوابا ل « أَمَّا » ول « إن » هذا وهما أداتا شرط وليست إحداهما الأخرى . الثامن : « أن تكون « مَنْ » شرطية ، وجوابها مقدّر تقديره : فعليهم غضب لدلالة ما بعد « مَنْ » الثانية عليه . وقد تقدم أنّ ابن عطية جعل الجزاء لهما معا . وتقدم الكلام معه « 2 » فيه . قوله : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ فيه وجهان : أحدهما : أنه مستثنى مقدم من قوله : أولئك عليهم غضب وهذا يكون فيه منقطعا ، لأنّ المكره لم يشرح بالكفر صدرا . وقال أبو البقاء : وقيل : وليس بمقدّم ، فهو كقول لبيد : 3044 - ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 3 » وظاهر كلامه يدل على أن بيت لبيد لا تقديم فيه كذلك ، فإنه ظاهر في التقديم جدا . الثاني : أنه مستثنى من جواب الشرط ، أو من خبر المبتدأ المقدر ، تقديره : فعليهم غضب من اللّه إلّا من أكره ، ولذلك قدّر الزمخشري جزاء الشرط قبل الاستثناء ، وهو استثناء متصل ، لأن الكفر يكون بالقول من غير اعتقاد ، كالمكره ، وقد يكون - والعياذ باللّه - باعتقاد ، فاستثنى الصنف الأول . قوله : وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ جملة حالية ، أي : إلّا من أكره في هذه الحالة . قوله : « وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ » : الاستدراك واضح ، لأن قوله : « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ » قد يسبق الوهم إلى الاستثناء مطلقا ، فاستدرك هذا . وقوله : « وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ » لا ينفي ذلك الوهم ، و « مَنْ » إمّا شرطية أو

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 539 ) . ( 2 ) انظر سورة البقرة آية ، ( 38 ) . ( 3 ) تقدم .