أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
36
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : مَنْ يَسْتَمِعُونَ . مبتدأ وخبره الجار قبله وأعاد الضمير جميعا مراعاة لمعنى « مَنْ » والأكثر مراعاة لفظه . لقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ . قال ابن عطية : « جاء » ينظر على لفظ « مَنْ » ، وإذا جاء على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى ، وإذا جاء أولا على معناها فلا يجوز أن يعطف بآخر على اللفظ لأن الكلام يلتبس حينئذ . قال الشيخ « 1 » : « وليس كما قال بل يجوز أن يراعى المعنى أولا فيعيد الضمير على حسب ما يريد به من المعنى من تأنيث وتثنية وجمع ثم يراعى اللفظ فيعيد الضمير مذكرا ، وفي ذلك تفصيل ، ذكر في النحو » . قلت : قد تقدم تحريره أول البقرة « 2 » . قوله : لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً . يجوز أن ينتصب « شَيْئاً » على المصدر ، أي : شيئا من الظلم قليلا ولا كثيرا ، وأن ينتصب مفعولا ثانيا ل « يَظْلِمُ » بمعنى : لا ينقص الناس شيئا من أعمالهم . قوله : « وَلكِنَّ النَّاسَ » قرأ الأخوان بتخفيف « لكن » ومن ضرورة ذلك كسر النون لالتقاء الساكنين وصلا ، ورفع « النّاس » والباقون بالتشديد ونصب « النَّاسَ » وتقدم توجيه ذلك في البقرة « 3 » . قوله : وَيَوْمَ . منصوب على الظرف وفي ناصبه أوجه : أحدها : أنه منصوب بالفعل الذي تضمنه قوله : « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا » . الثاني : أنه منصوب ب « يَتَعارَفُونَ » . والثالث : أنه منصوب بمقدر أي : اذكر يوم ، وقرأ الأعمش : « يَحْشُرُهُمْ » بياء الغيبة والضمير للّه تعالى لتقدم اسمه في قوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ » . قوله : كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا قد تقدم الكلام على « كَأَنْ » هذه ، ولكن اختلفوا في محل هذه الجملة على أوجه : أحدها : أنها في محل نصب صفة للظرف ، وهو « يَوْمَ » قاله ابن عطية . قال الشيخ « 4 » : لا يصح لأن « يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ » معرفة ، والجمل نكرات ولا تنعت المعرفة بالنكرة لا يقال : إنّ الجمل التي تضاف إليها أسماء الزمان نكرة على الاطلاق ، لأنها إن كانت في التقدير تنحل إلى معرفة ، فإنّ ما أضيف إليها يتعرف ، وإن كانت تنحل إلى نكرة كان ما أضيف إليها نكرة ، تقول : « مررت في يوم قدم زيد الماضي » . فتصف « يوم » بالمعرفة ، و « جئت ليلة قدم زيد المباركة علينا » ، وأيضا ف « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا » لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهة المعنى لأن ذلك من وصف المحشورين لا من وصف يوم حشرهم ، وقد تكلف بعضهم تقدير رابط يربطه فقدره : كأن لم يلبثوا قبله فحذف قبله أي : قبل اليوم ، وحذف مثل هذا الرابط لا يجوز . قلت : قوله بعضهم هو
--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 50 / 161 ) . ( 2 ) آية : رقم ( 8 ) . ( 3 ) آية : رقم ( 102 ) . ( 4 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 162 ) .