أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
358
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
من : للبيان ، فيتعلق بمحذوف ، أي : أعني : من ذكر ، ويجوز أن يكون حالا من فاعل « عمل » . قوله : وَهُوَ مُؤْمِنٌ جملة حالية أيضا . قوله : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ راعى معنى « مَنْ » فجمع الضمير بعد أن راعى لفظها فأفرد في « لنحيينّه » ، وما قبله . وقرأ العامة : « وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ » بنون العظمة مراعاة لما قبله ، وقرأ ابن عامر في رواية بياء الغيبة . وهذا ينبغي أن يكون على إضمار قسم ثان ، فيكون من عطف جملة قسمية على قسمية مثلها ، حذفتا وبقي جواباهما ، ولا جائز أن يكون من عطف جواب على جواب لإفضائه إلى إخبار المتكلم عن نفسه بإخبار الغائب ، وهو لا يجوز ، لو قلت : « زيد قال واللّه لأضربنّ هندا ولينفيها زيد » لم يجز ، فإن أضمرت قسما آخر ، جاز ، أي : وقال واللّه لينفينها لأنّ لك في مثل هذا التركيب أن تحكى لفظه ، ومنه : « وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى » ، وأن تحكي معناه ، ومنه : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا « 1 » ، ولو جاء على اللفظ لقيل ما قلنا . قوله : فَإِذا قَرَأْتَ . أي : فإذا أردت فأضمرت الإرادة . قال الزمخشري : « لأنّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل وعلى حسية ، فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة . وقال ابن عطية : « فإذا : وصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا . وتقدير الآية : فإذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ . قلت : هذا مذهب الجمهور من القراء والعلماء ، وقد أخذ بظاهر الآية ، فاستعاذ - بعد أن قرأ من الصحابة - أبو هريرة - ومن الأئمة : مالك وابن سيرين ومن القراء حمزة . قوله : بِهِ مُشْرِكُونَ . يجوز أن يعود الضمير على « الشَّيْطانِ » ، وهو الظاهر ، لتتحد الضمائر والمعنى : والذين هم مشركون بسببه ، وقيل : والذين هم بإشراكهم إبليس مشركون باللّه ، ويجوز أن يعود على « رَبِّهِمْ » . قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ . في هذه الجملة وجهان : أظهرهما : أنها اعتراضية بين الشرط وجزائه . والثاني : أنها حالية . وليس بظاهر . وقوله : « إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ » نسبوا إليه - عليه الصلاة والسّلام - الافتراء ، بأنواع من المبالغات : الحصر ، والخطاب ، واسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار . ومفعول « لا يَعْلَمُونَ » محذوف للعلم به ، أي : لا يعلمون أن في نسخ الشرائع وبعض القرآن حكما بالغة . قوله : . . . لِيُثَبِّتَ . . . . متعلق ب « نَزَّلَهُ » ، « وَهُدىً وَبُشْرى » يجوز أن يكونا عطفا على محل « لِيُثَبِّتَ » ، فينصبان ، أو على لفظه باعتبار المصدر المؤول فيجران . وقد تقدم كلام الزمخشري في نظيرهما ، وما ردّ به الشيخ وما ردّ به عليه « 2 » . وجوّز
--> ( 1 ) سورة التوبة آية ، ( 84 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 536 ) .