أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
350
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
شرط وجزاؤه . وقرأ ابن مسعود وابن وثاب وعلقمة « يوجّه » بهاء واحدة ساكنة للجزم ، وفي فاعله وجهان : أحدهما : أنه ضمير البارىء تعالى ، ومفعوله محذوف ، تقديره كقراءة العامة . والثاني : أنه ضمير الأبكم ، ويكون « يوجّه » لازما بمعنى : يتوجّه . يقال : وجّه وتوجّه بمعنى . وقرأ علقمة أيضا ، وطلحة كذلك ، إلّا أنه يضم الهاء وفيها أوجه : أحدهما : أن « أَيْنَما » ليست هنا شرطية ، و « يوجّه » خبر مبتدأ مضمر ، أي : أينما هو يوجه أي اللّه تعالى ، والمفعول محذوف أيضا ، وحذفت الياء من قوله : « لا يَأْتِ » تخفيفا ، كما حذفت في قوله : « يَوْمَ يَأْتِ » و « إِذا يَسْرِ » . والثاني : أنّ لام الكلمة حذفت تخفيفا لأجل التضعيف ، وهذه الهاء هي هاء الضمير . ذكر هذين الوجهين أبو الفضل الرازي . والثالث : أن « أَيْنَما » أهملت حملا على إذا لما بينهما من الأخوة في الشرط ، كما حملت إذا عليها في الجزم من بعض المواضع . وحذفت الياء من « يَأْتِ » تخفيفا أو جزما على التّوهم ، ويكون « يوجّه » لازما بمعنى يتوجّه كما تقدم ، وقرأ عبد اللّه أيضا ، وقال أبو حاتم - وقد حكى هذه القراءة - : « هذه ضعيفة ، لأنّ الجزم لازم . « وكأنه لم يعرف توجيهها . وقرأ علقمة وطلحة « يوجّه » بهاء واحدة ساكنة للجزم ، والفعل مبني للمفعول وهي واضحة ، وقرأ ابن مسعود أيضا « توجّهه » كالعامة ، إلّا أنه بتاء الخطاب ، وفيه التفات ، وفي الكلام حذف ، وهو حذف المقابل ، لقوله « أحدهما أبكم » كأنه قيل : والآخر ناطق متصرف في ماله ، خفيف على مولاه ، أينما يوجهه يأت بخير ، ودلّ على ذلك قوله « هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل » ونقل أبو البقاء أنه قرىء : « أينما توجّه » فعلا ماضيا ، فاعله ضمير الأبكم ، وهو قوله : « وَمَنْ يَأْمُرُ » الراجح أن يكون مرفوعا عطفا على الضمير المرفوع في « يَسْتَوِي » وسوّغه الفصل بالضمير والنصب على المعيّة مرجوح . « وَهُوَ عَلى صِراطٍ » الجملة إمّا استئناف ، أو حال . قوله : أَوْ هُوَ أَقْرَبُ . أي : أو أمر فالضمير للأمر ، والتقدير : أو أمر الساعة أقرب من لمح البصر . قوله : لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً . الجملة حال من مفعول « أَخْرَجَكُمْ » ، أي أخرجكم غير عالمين شيئا . و « شَيْئاً » إمّا مصدر ، أي : شيئا من العلم ، وإمّا مفعول به . والعلم - هنا - العرفان . وقد تقدم الكلام في أُمَّهاتُكُمْ في سورة النساء « 1 » . قوله : « وَجَعَلَ » يجوز أن يكون معطوفا على « أَخْرَجَكُمْ » فيكون داخلا فيما أخبر به عن المبتدأ ، ويجوز أن يكون مستأنفا . و « الْأَفْئِدَةَ » جمع فؤاد . وقد تقدم . وقال الرازي : « إنما جمع قلّة ، لأن أكثر الناس مشغولون بأفعال بهيمية ، فكأنهم لا فؤاد لهم » . وقال الزمخشري : إنه من الجموع التي استعملت للقلة والكثرة ، فلم يسمع فيها غير القلة ، نحو : شسوع فإنها للكثرة ، وتستعمل في القلّة ، ولم يسمع غير شسوع » . قال « 2 » : وفيه نظر ، سمع منهم أشساع ، فكان ينبغي أن يقول غلّب شسوع » .
--> ( 1 ) آية ، رقم ( 23 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 522 ) .