أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
338
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقال الشيخ « 1 » بعد ما حكى أن « ما » . في موضع نصب عند الفراء ومن تبعه - « وقال أبو البقاء - وقد حكاه - : « وفيه نظر » . قلت : وأبو البقاء لم يجعل النظر في هذا الوجه ، إنما جعله في تضعيفه بكونه يؤدي إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل ، في غير ما استثنى ، فإنه قال : وضعّف قوم هذا الوجه ، وقالوا : لو كان كذلك لقال : ولأنفسهم ، وفيه نظر » . فجعل النظر في تضعيفه لا فيه . وقد يقال : وجه النظر أن الممتنع تعدى ذلك الفعل ، أي : وقوعه على ما جر بالحرف ، نحو : « زيد مرّ به » فهذا واقع لزيد ، وأما نحن فيه فليس الجمل واقعا بالجاعلين ، بل بما يشتهون . وكان الشيخ يعترض دائما على القاعدة المتقدمة بقوله تعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ « 2 » - وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ « 3 » ، والجواب عنهما ما تقدم ، وهو أنّ الهزّ والضّمّ ليسا واقعين بالكاف ، وقد تقدم « 4 » لنا هذا في مكان آخر ، وإنما أعدته لصعوبته وخصوصية هذا بزيادة فائدة . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 58 إلى 63 ] وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 ) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) قوله : ظَلَّ وَجْهُهُ . يجوز أن تكون على بابها ، من كونها تدل على الإقامة نهارا ، على الصفة المسندة إلى اسمها ، وأن تكون بمعنى صار ، وعلى التقديرين فهي ناقصة . و « مُسْوَدًّا » خبرها . وأما « وَجْهُهُ » ففيه وجهان : المشهور - وهو المتبادر إلى الذهن - : أنه اسمها . والثاني : أنه بدل من الضمير المستتر في « ظَلَّ » بدل بعض من كل ، أي : ظل أحدهم وجهه ، أي : ظل وجه أحدهم . قوله : « كَظِيمٌ » يجوز أن يكون بمعنى فاعل ، وأن يكون بمعنى مفعول ، كقوله وَهُوَ مَكْظُومٌ « 5 » ويجوز يكون « وَهُوَ كَظِيمٌ » حال من الضمير في « ظَلَّ » ، أو من « وَجْهُهُ » ، أو من الضمير في « مُسْوَدًّا » وقال أبو البقاء - هنا - : « فلو قرىء : « مسودّ » ، يعني بالرفع ، لكان مستقيما ، على أن يجعل اسم ظل مضمرا فيها ، والجملة خبرها . وقال في سورة الزخرف : « ويقرآن بالرفع على أنه مبتدأ وخبر في موضع خبر ظلّ » . قوله : يَتَوارى .
--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) سورة مريم آية ، ( 25 ) . ( 3 ) سورة القصص آية ، ( 32 ) . ( 4 ) انظر سورة الأعراف آية ، ( 22 ) . ( 5 ) سورة القلم آية ، ( 48 ) .