أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

329

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثالث : أنه منصوب ب « أمن » أي : أمنوا العقوبات السيئات ، وعلى هذا فقوله : « أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ » بدل من « السَّيِّئاتِ » . قوله : عَلى تَخَوُّفٍ . متعلق بمحذوف ، فإنه حال إما من الفاعل ، وإما من مفعوله ، ذكرهما أبو البقاء . والظاهر كونه حالا من المفعول دون الفاعل ، والتّخوّف : التّنقّص . وحكى الزمخشري : أنّ عمر سألهم على المنبر عنها ، فقال شيخ من هذيل ، فقال : هذه لغتنا التّخوّف : التّنقّص ، قال : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم ، قال الشاعر وأنشد : 3000 - تخوّف الرّجل منها ثامكا قردا * كما تخوّف عود النّبعة السّفن « 1 » فقال عمر : أيّها النّاس ، عليكم بديوانكم لا يضلّ ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية ، فإن فيه تفسير كتابكم . قلت : وكان الزمخشري نسب البيت قبل ذلك لزهير ، وكأنه سهو ، فإنه لأبي كبير الهذلي ، ويؤيد ذلك قول الرجل قال شاعرنا : وكان هذليا كما حكاه هو ، وقيل : التّخوّف : الخوف . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 48 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا . قرأ الأخوان : « تروا » بالخطاب جريا على قوله : « فَإِنَّ رَبَّكُمْ » والباقون بالياء جريا على قوله : « أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا » ، وأما قوله : « أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ » . فقراءة حمزة أيضا بالخطاب ، وافقه ابن عامر فيه ، فحصل من مجموع الآيتين أنّ حمزة بالخطاب فيهما والكسائي بالخطاب في الأول ، والغيبة في الثاني ، وابن عامر بالعكس ، والباقون بالغيبة فيهما ، فأما توجيه الأولى : فقد تقدم ، وأما الخطاب في الثانية فجريا على قوله : « وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » : إلى آخره ، وأما تفرقة الكسائي وابن عامر بين الموضوعين فجمعا بين الاعتبارين ، وأن كلّا منهما صحيح . قوله : مِنْ شَيْءٍ هذا بيان ل « ما » في قوله : « ما خَلَقَ اللَّهُ » فإنها موصولة ، بمعنى الذي ، فإن قلت : كيف يبين الموصول وهو مبهم ب « شَيْءٍ » وهو مبهم ، بل أبهم مما قبله ؟ فالجواب أن شيئا قد اتضح وظهر بوصفه الجملة بعده « يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ » . قال الزمخشري : و « ما » موصولة ب « خَلَقَ اللَّهُ » وهو مبهم بيانه في قوله : « مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ » . وقال ابن عطية : « مِنْ شَيْءٍ » لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة من قوله : « يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ » . فظاهر هاتين العبارتين أن جملة « يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ » صفة ل « شَيْءٍ » وأما غيرهما فإنه قد صرّح بعد كون الجملة صفة ، فإنه قال : والمعنى من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم » . وقوله : « يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ » أخبار من قوله : « مِنْ شَيْءٍ » ليس بوصف له ، وهذا الإخبار يدل على ذلك الوصف المحذوف ، الذي تقديره : هو له ظل ، وفيه تكلف لا حاجة إليه ، والصفة أبين . و « مِنْ شَيْءٍ » في محل نصب على الحال من الموصول ، أو متعلق بمحذوف على جهة البيان ، أي : أعني : من شيء ، والتّفيّؤ : تفعّل من فاء يفيء ، أي : رجع وفاء : قاصر فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة ، كقوله

--> ( 1 ) البيت لأبي كبير الهذلي انظر البحر المحيط ( 5 / 495 ) ، والقرطبي ( 10 / 110 ) ، ونسبه الزمخشري لزهير وابن منظور « خوف » لابن عقيل « وسفن » لذي الرمة والصحاح كذلك وانظر روح المعاني ( 14 / 152 ) .