أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

326

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هادِيَ لَهُ « 1 » . والثاني : أن يكون الموصول هو الفاعل ، أي : لا يهدي المضلون ، و « يَهْدِي » يجيء في معنى يهتدي ، يقال : هداه فهدي ، أي : اهتدى ، ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد اللّه : « يهدّي » بتشديد الدال المكسورة ، والأصل : يهتدي فأدغم ، ونقل بعضهم في هذه القراءة كسر الهاء على الاتباع ، وتحقيقه تقدم في يونس . والعائد على « مَنْ » محذوف : من يضل ، أي : الذي يضله اللّه ، والباقون « لا يهدى » بضم الياء وفتح الدال مبنيا للمفعول ، و « مَنْ » قائم مقام فاعله ، وعائده محذوف أيضا ، وجوز أبو البقاء في « مَنْ » أن تكون مبتدأ ، و « لا يَهْدِي » خبره . يعني : تقدم عليه ، وهذا خطأ ، لأنه متى كان الخبر فعلا رافعا لضمير مستتر وجب تأخيره ، نحو : « زيد لا تضرب » . ولو قدمت لألبس بالفاعل ، وقرىء : « لا يهدي » بضم الياء وكسر الدال . وقال ابن عطية : « وهي ضعيفة » . قال الشيخ « 2 » : « وإذا ثبت أنّ « هدى » لازم بمعنى : اهتدى لم تكن ضعيفة ، لأنه أدخل همزة التعدية على اللازم ، فالمعنى : لا يجعل مهتديا من أضله اللّه . قوله : « وَما لَهُمْ » حمل على معنى « مَنْ » فلذلك جمع ، وقرىء : « من يضلّ » بفتح الياء من : ضلّ ، أي : لا يهدي من ضلّ بنفسه . وَأَقْسَمُوا . ظاهره أنها استئناف خبر ، وجعله الزمخشري نسقا على : « وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » إيذان بأنهما كفرتان عظيمتان . قوله : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا . هذان منصوبان على المصدر المؤكد ، أي : وعد ذلك وحق حقّا ، وقيل : « حَقًّا » نعت ل « وَعْداً » والتقدير : بلى يبعثهم وعد بذلك ، وقرأ الضحاك : « وعد عليه حقّ » برفعهما على أنّ « وَعْداً » خبر مبتدأ مضمر ، أي : بلى بعثهم وعد على اللّه . و « حقّ » نعت « وعد » . قوله : لِيُبَيِّنَ . هذه اللام متعلقة بالفعل المقدر ، بعد حرف الإيجاب ، أي : بلى بعثهم ليبين . وقوله : كُنْ فَيَكُونُ . قد تقدم ذلك في البقرة « 3 » ، واللام في « لِشَيْءٍ » وفي « لَهُ » لام التبليغ ، كهي في قلت له « قل » . وجعلها الزجاج للسبب فيهما ، أي : لأجل شيء أن نقول لأجله وليس بواضح . وقال ابن عطية : « وقوله تعالى : أَنْ نَقُولَ ينزل منزلة المصدر ، كأنه قال : قولنا ولكن أن مع الفعل تعطى استقبالا ليس في ما لمصدر في أغلب أمرها ، وقد يجيء في مواضع لا تلحظ فيها الزمن ، كهذه الآية وكقوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ إلى غير ذلك » . قال الشيخ « 4 » : وقوله : في أغلب أمرها ليس بجيد ، بل تدل على المستقبل في جميع أمورها وقوله : وقد يجيء إلى آخره لم يفهم ذلك من دلالة « أَنْ » وإنما ذلك من نسبة قيام السماء والأرض بأمر اللّه ، لأنه لا يختص بالمستقبل دون الماضي في حقه تعالى ، ونظيره : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ، * و « كانَ » * تدل على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي ، وهو تعالى متصف بذلك في كل زمن » . قوله : حَسَنَةً . فيها أوجه :

--> ( 1 ) سورة الأعراف آية ، ( 186 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 490 ) . ( 3 ) آية ، رقم ( 117 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 492 ) .