أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
324
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بين جواب المقرّ ، وجواب الجاحد ، يعني : أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال ، فقالوا خيرا . وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال ، فقالوا : هو أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء . وزيد على « خير » بالرفع ، أي : المنزل خيرا . وهي مؤيدة لجعل « ذا » موصولة ، وهو الأحسن لمطابقة الجواب لسؤاله ، وإن كان العكس جاز ، وقد تقدم تحقيقه في البقرة « 1 » قوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ هذه الجملة يجوز فيها أوجه : أحدها : أن تكون منقطعة مما قبلها استئناف ، إخبار بذلك . الثاني : أنها بدل من « خَيْراً » . قال الزمخشري : « هو بدل من « خَيْراً » ، حكاية لقول الذين اتقوا ، أي : قالوا هذا القول ، فقدم تسميته خيرا ، ثم حكاه . الثالث : أن هذه الجملة تفسير لقوله : « خَيْراً » وذلك أن الخير هو الوحي الذي أنزل اللّه فيه من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة . وقوله : « فِي هذِهِ الدُّنْيا » الظاهر تعلقه ب « أَحْسَنُوا » ، أي : أوقعوا الحسنة في دار الدنيا ، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من « حَسَنَةٌ » ، إذ لو تأخر لكان صفة لها ، ويضعف تعلقه بها نفسها ، لتقدمه عليها . قوله : جَنَّاتُ عَدْنٍ . يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح ، فيجيء فيها ثلاثة أوجه : رفعها بالابتداء والجملة المتقدمة خبرها ، أو رفعها خبرا لمبتدأ مضمر ، أو رفعها بالابتداء والخبر محذوف ، وهو أضعفها ، وقد تقدم تحقيق ذلك ، ويجوز أن تكون « جَنَّاتُ عَدْنٍ » خبر مبتدأ مضمر لا على ما تقدم ، بل يكون المخصوص محذوفا ، تقديره : ولنعم دار المتقين دارهم هي جنات ، وقدره الزمخشري : ولنعم دار المتقين دار الآخرة ، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله : « يَدْخُلُونَها » ، ويجوز أن يكون الخبر مضمرا ، تقديره : لهم جنات عدن ، ودلّ على ذلك قوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ . والعامة على رفع « جَنَّاتُ » على ما تقدم ، وقرأ زيد بن ثابت والسلمي « جنّات » نصبا على الاشتغال بفعل مضمر ، تقديره : يدخلون جنات عدن يدخلونها ، وهذه تقوي أن تكون « جَنَّاتُ » مبتدأ ، « يَدْخُلُونَها » الخبر في قراءة العامة ، وقرأ زيد بن علي : « ولنعمت دار » بتاء لتأنيث مرفوعة بالابتداء ، و « دار » خفض بالإضافة ، و « جَنَّاتُ عَدْنٍ » الخبر ، و « يَدْخُلُونَها » في جميع ذلك نصب على الحال ، إلّا إذا جعلناه خبرا ل « جَنَّاتُ عَدْنٍ » . وقرأ نافع في رواية « يَدْخُلُونَها » بالياء من تحت مبنيا للمفعول ، وأبو عبد الرحمن « تدخلونها » بتاء الخطاب مبنيا للفاعل . قوله : « تَجْرِي » يجوز أن يكون منصوبا على الحال من « جَنَّاتُ » ، قاله ابن عطية . وأن يكون في موضع الصفة ل « جَنَّاتُ » . قاله الحرفي ، والوجهان مبنيان على القول في « عَدْنٍ » هل هو معرفة أو نكرة ، فقائل الحال لحظ الأول ، وقائل النعت لحظ الثاني . قوله : « لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ » الكلام في هذه الجملة كالكلام في الجملة قبلها ، والخبر إما « لَهُمْ » ، وإما « فِيها » . قوله : « كَذلِكَ » الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر ، أو نعت لمصدر مقدر ، أو في محل رفع خبرا لمبتدأ مضمر ، أي : الأمر كذلك . و « يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ » مستأنف .
--> ( 1 ) آية ، رقم ( 26 ) .