أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

321

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يكون غرضا ، نحو قولك : « خرجت من البلد مخافة الشر » ، والثاني : أنه تعليل حقيقة ، قال ابن عطية - بعد حكاية وجه لام العاقبة - : « ويحتمل أن يكون صريح لام كي على معنى : قدّر هذا لكذا انتهى » لكنه لم يعلقها ب « قالُوا » إنما قدّر لها علّة ، وهو قدّر هذا ، وعلى قول الزمخشري يتعلق ب « قالُوا » ، لأنها ليست لحقيقة العلة ، وكاملة حال قوله : « وَمِنْ أَوْزارِ » : فيه وجهان : أحدهما : أن « مِنْ » مزيدة ، وهو قول الأخفش ، أي : وأوزار الذين على معنى : ومثل أوزار كقوله : كان عليه وزرها ووزر من عمل بها . والثاني : أنها غير مزيدة ، وهي للتبعيض ، أي : وبعض أوزار الذين . وقدّر أبو البقاء مفعولا حذف ، وهذه صفته ، أي : وأوزارا من أوزار . ولا بد من حذف مثل أيضا . وقد منع الواحدي أن تكون « مِنْ » للتبعيض ، قال : « لأنه يستلزم تخفيف الأوزار عن الاتباع ، وهو غير جائز ، لقوله عليه السّلام « من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » . لكنها للجنس ، أي : ليحملوا جنس أوزار الأتباع . قال الشيخ « 1 » : والتي لبيان الجنس لا تتقدر هكذا ، إنما تتقدر : والأوزار التي هي أوزار الذين ، فهو من حيث المعنى كقول الأخفش ، وإن اختلفا في التقدير . قوله : « بِغَيْرِ عِلْمٍ » حال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه مفعول « يُضِلُّونَهُمْ » ، أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضلال ، قاله الزمخشري . والثاني : أنه الفاعل ، ورجح هذا بأنه هو المحدث عنه ، وقد تقدم « 2 » الكلام في إعراب نحو : ساءَ ما يَزِرُونَ وأنها قد تجري مجرى بئس . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 26 إلى 29 ] قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 26 ) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ( 27 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 ) قوله : مِنَ الْقَواعِدِ . من : لابتداء الغاية ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من « السَّقْفُ » ، وهي حال مؤكدة ، إذ السّقف لا يكون تحتهم . وقال جماعة « 3 » : ليس قوله « مِنْ فَوْقِهِمْ » تأكيدا ، لأن العرب تقول : خرّ علينا سقف ، ووقع علينا حائط ، إذا كان يملكه ، وإن لم يقع عليه فجاء بقوله : « مِنْ فَوْقِهِمْ » ليخرج به هذا الذي في كلام العرب ، أي : عليهم وقع ، وكانوا تحته فهلكوا ، وهذا معنى غير طائل ، والقول بالتأكيد أنصح منه . والعامة « بُنْيانَهُمْ » وفرقة

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 484 ) ، وما بعدها . ( 2 ) انظر سورة الأنعام آية ، ( 31 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 485 ) .