أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
302
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في قوله : « لَمُنَجُّوهُمْ » وليس من الاستثناء في شيء ، لأنّ الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه ، وأن يقال : أهلكناهم إلا آل لوط ، إلّا امرأته ، كما اتحد الحكم في قول المطلق : أنت طالق ثلاثا إلّا اثنتين إلّا واحدة ، وقول المقر : لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة ، إلا درهما . وأما الآية : فقد اختلف الحكمان ، لأن « إِلَّا آلَ لُوطٍ » متعلق ب « أُرْسِلْنا » ، أو ب « مُجْرِمِينَ » و « إِلَّا امْرَأَتَهُ » قد تعلق بقوله : « لَمُنَجُّوهُمْ » فأنّى يكون استثناء من استثناء » . قال الشيخ : « ولما استسلف الزمخشري : أنّ : « إِلَّا امْرَأَتَهُ » استثناء من الضمير في « لَمُنَجُّوهُمْ » ، أي : أن يكون استثناء من استثناء ، ومن قال : إنّه استثناء من استثناء فيمكن تصحيح قوله بأحد وجهين : أحدهما : أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في « لَمُنَجُّوهُمْ » وهو عائد على « آلَ لُوطٍ » ، صار كأنه مستثنى من « آلَ لُوطٍ » ، لأن المضمر هو الظاهر . والوجه الآخر : أن قوله : « إِلَّا آلَ لُوطٍ » لما حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين اقتضى ذلك نجاتهم ، فجاء قوله : « إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ » تأكيدا لمعنى الاستثناء ، إذ المعنى : إلّا آل لوط لم يرسل إليهم بالعذاب ، ونجاتهم مترتبة على عدم الإرسال إليهم بالعذاب ، فصار نظير قولك : « قام القوم إلّا زيدا لم يقم » ، أو « إلّا زيدا فإنه لم يقم » فهذه الجملة تأكيد لما تضمنه الاستثناء من الحكم على ما بعد بضد الحكم السابق على المستثنى منه ، « إِلَّا امْرَأَتَهُ » على هذا التقرر الذي قررناه مستثنى من « آلَ لُوطٍ » ، لأن الاستثناء مما جيء به للتأسيس أولى من الاستثناء مما جيء به للتأكيد . وقرأ الأخوان : « لمنجوهم » مخففا ، وكذلك خففا أيضا فعل هذه الصفة في قوله تعالى في العنكبوت : « لننجينّه وأهله » ، وكذلك خففا أيضا قوله فيها : « إِنَّا مُنَجُّوكَ » « 1 » فهما جاريان على سنن واحد ، وقد وافقهما ابن كثير ، وأبو بكر على تخفيف « مُنَجُّوكَ » كأنهما جمعا بين اللغتين ، وباقي السبعة بتشديد الكلّ . والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من : نجّى ، وأنجى . - ك « أنزل ، نزّل » ، وقد نطق بفعلهما ، قال : « فَلَمَّا نَجَّاهُمْ » « 2 » وفي موضع آخر « أَنْجاهُمْ » « 3 » . قوله : « قَدَّرْنا » أبو بكر بتخفيف الدال ، والباقون بتشديدها ، وهما لغتان : قدّر وقدر ، وهذا الخلاف أيضا جار في سورة النمل . قوله : « إِنَّها » كسرت من أجل اللام في خبرها ، وهي معلقة لما قبلها ، لأن فعل التقدير يعلق إجراء له مجرى العلم ، إمّا لكونه بمعناه ، وإما لأنه مترتب عليه . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله : « قَدَّرْنا إِنَّها » ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب ؟ قلت : لتضمن فعل التقدير معنى العلم . قال الشيخ « 4 » : وكسرت « إنّها إجراء لفعل التقدير مجرى العلم . قلت : وهذا لا يصلح علّة لكسرها ، إنّما يصلح علة لتعليقها الفعل قبلها ، والعلة في كسرها ما قدمته من وجود اللام ولولاها لفتحت . قوله : بَلْ جِئْناكَ . . . . عن القول المحذوف ، تقديره : ما جئناك ، بل جئناك وقد تقدم الخلاف في قوله : « فَأَسْرِ . . . » قطعا ووصلا في هود . وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية ، وصاحب اللوامح : « فسر » من السّير ، وقرأت فوقه : « بقطع » بفتح الطاء . وقد تقدم في يونس أن الكسائي ، وابن كثير قرأ بالسكون في يونس في قوله : « قطعا » والباقون بالفتح . قوله : حَيْثُ تُؤْمَرُونَ حيث على بابها من كونها ظرف مكان مبهم ، ولإبهامها تعدى إليها الفعل من غير
--> ( 1 ) سورة العنكبوت آية ، ( 65 ) . ( 2 ) سورة العنكبوت آية ، ( 65 ) . ( 3 ) سورة يونس آية ، ( 23 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 460 ) .