أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

30

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجهين من تقدير مضاف محذوف أي : من أهل السماء . قوله : « أم » هذه « أم » المنقطعة ، لأنه لم يتقدمها همزة استفهام ، ولا تسوية ، ولكن إنما تقدر هنا ب « بل » وحدها دون الهمزة ، وقد تقرر أن المنقطعة عند الجمهور تقدر بهما ، وإنما لم تقدر هنا ب « بل » ، و « الهمزة » ، لأنه وقع بعدها اسم استفهام صريح ، وهو « من » فهو كقوله : أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . « 1 » والإضراب هنا على القاعدة المقررة في القرآن : أنه إضراب انتقال لا إضراب إبطال . قوله : فَما ذا بَعْدَ . ويجوز أن يكون « ماذا » كله اسما واحدا لتركبهما وغلب الاستفهام على اسم الإشارة ، وصار معنى الاستفهام هنا النفي ، ولذلك أوجب بعده ب « إِلَّا » ، ويجوز أن يكون « ذا » موصولا بمعنى : الذي والاستفهام أيضا بمعنى : النفي والتقدير : ما الذي بعد الحق إلا الضلال . قوله : كَذلِكَ حَقَّتْ . الكاف : في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، والإشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من « تُصْرَفُونَ » أي : مثل عن الحق بعد الإقرار به في قوله : « فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ » وقيل : إشارة إلى الحق . قال الزمخشري : « كَذلِكَ » مثل ذلك الحق « حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ » . وقوله : أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فيه أربعة أوجه : أحدها : أنها في محل رفع بدلا من « كَلِمَةُ » أي : حق عليهم انتفاء الإيمان . الثاني : أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي : الأمر عدم إيمانهم . الثالث : أنها في محل نصب بعد اسقاط الحرف الجار . الرابع : أنها في محل جر على إعماله محذوفا ، إذ الأصل : لأنهم لا يؤمنون . قال الزمخشري : « أو أراد ب « الكلمة » العدة بالعذاب ، و « أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » تعليل أي لأنهم . وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكوفيون « كلمات » بالجمع وكذا في آخر السورة ، وقد تقدم ذلك في الأنعام « 2 » ، وقرأ ابن أبي عبلة : « أنّهم لا يؤمنون » بكسر « إنّ » على الاستئناف وفيها معنى التعليل وهذه مقوية للوجه الصائر إلى التعليل . قوله : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ . هذه الجملة جواب لقوله : « هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا » وإنما أتى بالجواب جملة اسمية مصرح بجزئها معادا فيها الخبر مطابقا لخبر اسم الاستفهام للتأكيد والتثبت ، ولما كان الاستفهام قبل هذا لا مندوحة لهم عن الاعتراف به جاءت الجملة محذوفا منها أحد جزأيها في قوله : « فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ » ولم يحتج إلى التأكيد بتصريح جزئها . قوله : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ . قد تقدم في أول هذا الموضوع أن « هدى » يتعدى إلى اثنين ثانيهما إما باللام أو ب « إِلَى » . وقد يحذف الحرف تخفيفا ، وقد جمع بين التعديتين هنا بحرف الجر ، فعدى الأول والثالث ب « إِلَى » ، والثاني ب « اللام » ، وحذف المفعول الأول من الأفعال الثلاثة ، والتقدير : هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق قل اللّه يهدي من يشاء للحق أفمن يهدي غيره إلى الحق . وزعم الكسائي والفراء وتبعهما الزمخشري أن « يَهْدِي » الأول قاصر ، وأنه بمعنى اهتدى

--> ( 1 ) سورة النحل ، آية : ( 84 ) . ( 2 ) آية رقم ( 115 ) .