أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

291

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومحل : « لا يُؤْمِنُونَ . . . » النصب على الحال ، ويجوز ألّا يكون لها محل ، لأنها بيان لقوله : « كَذلِكَ نَسْلُكُهُ » . وقوله : وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ استئناف . والسّلك : الإدخال ، يقال : سلكت الخيط في الإبرة ، ومنه : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ « 1 » . يقال : سلكه وأسلكه ، أي : نظمه ، قال : 2963 - وكنت لزاز خصمك لم أعرّد * وقد سلكوك في يوم عصيب « 2 » وقال الآخر في : أسلك : 2964 - حتّى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا « 3 » قوله : . . . فَظَلُّوا . . . . هي الناقصة ، والضمير في « فَظَلُّوا » عائد على الكفار المفتح لهم الباب . وقيل : يعود على الملائكة . وقرأ الأعمش ، وأبو حيوة « يعرجون » بكسر الراء ، وهي لغة هذيل في : عرج يعرج ، أي : صعد . قوله : . . . سُكِّرَتْ . . . . قرأ ابن كثير « سكرت » مبنيا للمفعول مخفف الكاف ، وباقي السبعة كذلك ، إلّا أنهم شددوا الكاف ، والزهري « سكرت » بفتح السين ، وكسر الكاف خفيفة ، مبنيا للفاعل . فأما القراءة الأولى : فيجوز أن تكون بمعنى المشددة ، فإنّ التخفيف يصلح للتقليل والكثير ، وهما مأخوذان من « السّكر » بكسر السين ، وهو السّدّ ، فالمعنى : حبست أبصارنا وسدّت ، وقيل : بمعنى غطيت ، وقيل : بمعنى أخذت ، وقيل : بمعنى : سحرت ، وقيل : المشددة من سكر الماء ، والمخفف بمعنى سحرت ، وقيل : المشدد من سكر الماء بالكسر والمخفف من سكر السّراب بالضم ، والمشهور أن « سكر » لا يتعدى ، فكيف بني للمفعول ؟ فقال أبو علي : « فيجوز أن يكون سمع متعديا في البصر » . والذي قاله المحققون من أهل اللغة أن « سكر » إن كان من سكر الشّراب ، أو من سكر الرّيح فالتضعيف فيه للتعدية ، وإن كان من سكر الياء فالتضعيف فيه للتكثير ، لأنه متعد مخففا ، وذلك أنه يقال : سكرت الرّيح تسكر إذا ركدت ، وسكر الرّجل من الشّراب ، إذا ركد ولم ينقد لحاجته . فهذان قاصران ، فالتضعيف فيهما للتعدية ، ويقال : سكرت الماء في مجاريه ، إذا منعته من الجرى ، فهذا متعد ، فالتضعيف فيه للتكثير . وأما قراءة ابن كثير : فإن كانت من سكر الماء فواضحة ، لأنه متعد ، وإن كانت من سكر الشّراب ، أو سكر الرّيح ، فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازما تارة ومتعديا أخرى ، نحو : رجع زيد ورجعه غيره ، وسعد وسعده غيره ، وقال الزمخشري : « وسكّرت حيّرت ، أو حبست من السّكر أو السّكر ، وقرىء : سكرت بالتخفيف ، أي : حبست كما يحبس المهر عن الجري » . فجعل قراءة التشديد محتملة للمعنيين ، وقراءة التخفيف لمعنى واحد ، وأما قراءة الزهري ، أي : غطيت ، وقيل : هي مطاوع أسكرت المكان فسكر ، أي : سددته فانسدّ . قوله : . . . جَعَلْنا . . . .

--> ( 1 ) سورة المدثر آية ، ( 42 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت لعبد مناف بن ربيع الهذلي انظر ديوان الهذليين ( 2 / 42 ) ، الإنصاف ( 2 / 461 ) ، الصاحبي ( 193 ) ، الخزانة ( 7 / 39 ) ، الهمع ( 1 / 207 ) ، الدرر ( 2 / 174 ) ، أمالي المرتضى ( 1 / 3 ) ، الجمهرة ( 2 / 9 ) ، ابن الشجري ( 1 / 358 ) ، التاج واللسان « قتد » .