أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

287

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هذا المصدر المؤول هو المفعول للودادة ، أي : يودون كونهم مسلمين ، إن جعلنا « ما » كافة ، وإن جعلناها نكرة ، كانت « لَوْ » وما في حيزها بدلا من « ما » . قوله : ذَرْهُمْ . . . . هذا لا يستعمل له ماض إلّا قليلا استغناء عنه ب « ترك » بل يستعمل منه المضارع ، نحو : وَيَذَرُهُمْ « 1 » ومن مجيء الماضي قوله عليه السّلام : « ذروا الحبشة ما وذرتكم » ومثله : دع ، ويدع ، ولا يقال : ودع إلّا نادرا . وقد قرىء : « ما ودعك » مخففا . وأنشد قوله : 2957 - سل أميري : ما الّذي غيّره * عن وصالي اليوم حتّى ودعه « 2 » ؟ و « يَأْكُلُوا » مجزوم على جواب الأمر ، وقد تقدم أن « ترك » ، و « ذر » يكونان بمعنى « صيّر » ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفا ، أي : ذرهم مهملين ، ولا يصح أن يكون « يَأْكُلُوا » هو الثاني ، ولا حالا ، إذ كان يجب رفعه . قوله : . . . إِلَّا وَلَها كِتابٌ . . . . فيه أوجه : أحدها - وهو الظاهر - : أنها واو الحال ، ثم لك اعتباران : أحدهما : أن تجعل الحال وحدها الجار ، ويرتفع « كِتابٌ » به فاعلا . والثاني : أن تجعل الجار خبرا مقدما ، و « كِتابٌ » مبتدأ ، والجملة حال ، وهذه الحال لازمة . الوجه الثاني : أن الواو مزيدة ، وأيد هذا قوله بقراءة ابن أبي عبلة « إلّا لها » بإسقاطها ، والزيادة ليست بالسهلة . الثالث : أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة تأكيدا . قال الزمخشري : والجملة واقعة صفة ل « قَرْيَةٍ » ، والقياس ألا تتوسط هذه الواو بينهما ، كما في قوله : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف ، كما تقول : « جاءني زيد عليه ثوبه » ، و « جاءني وعليه ثوبه » . و « قد تبع الزمخشري في ذلك أبو البقاء ، وقد سبق له ذلك أيضا في البقرة عند قوله تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ « 3 » . قال الشيخ « 4 » : « ولا نعلم أحدا قاله من النحويين . وفي محفوظي أن ابن جني سبقهما إلى ذلك » . ثم قال الشيخ « 5 » : وهو مبني على جواز أن ما بعد إلّا يكون صفة ، وقد منعوا ذلك . قال الأخفش : « لا يفصل بين الصفة والموصوف ب « إِلَّا » ثم قال : وأما نحو : « ما جاءني رجل إلّا راكب » ، على تقدير : إلّا رجل راكب .

--> ( 1 ) جزء من آية في سورة الأعراف رقم ( 186 ) . ( 2 ) البيت لسويد بن أبي كاهل كما في اللسان « ودع » والخصائص ( 1 / 99 ) ، المحتسب ( 2 / 34 ) ، الخزانة ( 5 / 150 ) ، الإنصاف ( 2 / 485 ) . ( 3 ) آية ، رقم ( 216 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 445 ) . ( 5 ) انظر المصدر السابق .