أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
28
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والأصل زيولنا فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما السكون فأعلت الإعلال المشهور ، وهو قلب الواو ياء وإدغام الياء فيها ك « ميّت » ، و « سيّد » في ميوث وسيود ، وعلى هذا فهو من مادة الواو ، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة ، وتبعه أبو البقاء ، وقال مكي : ولا يجوز أن يكون « فعلنا » من زال يزول ، لأنه فيه الواو فيكون : زوّلنا : قلت : هذا صحيح وقد تقدم تحرير ذلك في قوله : أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ . وقد رد الشيخ « 1 » كونه « فيعل » بأن « فعّل » أكثر من « فيعل » ، ولأن مصدره التنزيل ، ولو كان « فيعل » لكان مصدره « فيعلة » ك « بيطرة » ، لأن « فيعل » ملحق ب « فعلل » ، ولقولهم في معناه « زايل » ولم يقولوا « زاول » بمعنى : فارق ، إنّما قالوا : بمعنى حاول وخالط . وحكى الفراء « فزايلنا » وبها قرأت فرقة . قال الزمخشري : « مثل صاغر خدّه وصغّره وكالمته وكلّمته » . قلت : يعني : أن « فاعل » بمعنى : « فعل » وزايل بمعنى : فارق . قال : 2611 - وقال العذارى إنّما أنت عمّنا * وكان الشّباب كالخليط يزايله « 2 » وقال الآخر : 2612 - لعمري لموت لا عقوبة بعده * لذي البثّ أشفى من هوى لا يزايله « 3 » أي : لا يفارقه . وقوله : « فَزَيَّلْنا » ، و « قالَ » هذان الفعلان ماضيان لفظا معنى لعطفهما على مستقبل ، وهو « ويوم نحشرهم » ، وهما نظير قوله تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ « 4 » و « إِيَّانا » مفعول مقدم ، قدم للاهتمام به ، والاختصاص وهو واجب التقديم على ناصبه ، لأنه ضمير منفصل لو تأخر عنه لزم اتصاله . وقد تقدم الكلام على ما بعد هذا من « كفى » « 5 » ، و « إِنْ » المخففة واللام التي بعدها بما يغني عن إعادته . قوله : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ . في « هُنالِكَ » وجهان : الظاهر بقاؤه على أصله من دلالته على ظرف المكان أي : في ذلك الموقف الدّحض والمكان الدّهش وقيل : هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة ، ومثله : هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ « 6 » أي : في ذلك الوقت وكقوله : 2613 - وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت * فهناك يعترفون أين المفزع « 7 » وإذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه ، فهو أولى . وقرأ الأخوان : « تتلو » بتاءين منقوطتين من فوق أي : تطلب وتتبع ما أسلفته من أعمالها ، ومن هذا قوله : 2614 - إنّ المريب يتبع المريبا * كما رأيت الذّيب يتلو الذّيبا « 8 » أي : يتبعه ويتطلبه ، ويجوز أن يكون من التلاوة المتعارفة ، أي : تقرأ كل نفس ما عملته مسطرا في صحف الحفظة ، كقوله تعالى : يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها « 9 » وقوله : وَنُخْرِجُ لَهُ
--> ( 1 ) أنظر البحر المصدر السابق . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 152 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 152 ) . ( 4 ) سورة هود ، آية : ( 98 ) . ( 5 ) قوله تعالى : فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ . ( 6 ) الأحزاب آية ، ( 11 ) . ( 7 ) تقدم . ( 8 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 153 ) ، القرطبي ( 8 / 334 ) . ( 9 ) سورة الكهف ، آية : ( 49 ) .