أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

258

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الجملة من قوله أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ مستأنفة جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل : كيف مثلهم ؟ فقيل : كيت وكيت ، والمثل استعارة للصفة التي فيها غرابة ، كقوله : « صفة زيد عرضه مصون ، وماله مبذول » . الثاني : أن يكون « مَثَلُ » مبتدأ ، و « أَعْمالُهُمْ » مبتدأ ثان ، و « كَرَمادٍ » خبر الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول . قال ابن عطية : « وهذا عندي أرجح الأقوال ، وكأنك قلت : المتحصل في النفس مثالا للذين كفروا هذه الجملة المذكورة » وإليه نحا الحوفي . قال الشيخ « 1 » : وهو لا يجوز ، لأن الجملة التي وقعت خبرا للمبتدأ لا رابط فيها يربطها بالمبتدأ وليست نفس المبتدأ فيستغنى عن رابط » . قلت : بل الجملة نفس المبتدأ ، فإن نفس مثلهم هو نفس أعمالهم كرماد في أنّ كلّا منهما لا يفيد شيئا ، ولا يبقى له أثر ، فهو نظير قولك : « هجّير أبي بكر لا إله إلّا اللّه » وإلى هذا الوجه ذهب الزمخشري أيضا ، فإنه قال : « أي صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد ، كقولك : صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول » . فنفس عرضه مصون ، هو نفس صفة زيد . الثالث : أن « مَثَلُ » مزيدة ، قاله الكسائي ، والفراء . أي الذين كفروا أعمالهم كرماد ، ف « الَّذِينَ » مبتدأ ، و « أَعْمالُهُمْ » مبتدأ ثان ، و « كَرَمادٍ » خبره ، وزيادة الأسماء ممنوعة . الرابع : أن يكون « مَثَلُ » مبتدأ و « أَعْمالُهُمْ » بدل منه على تقدير : مثل أعمالهم ، و « كَرَمادٍ » الخبر ، قاله الزمخشري وعلى هذا فهو بدل كل من كل على حذف المضاف ، كما تقدم . الخامس : أن يكون « مَثَلُ » مبتدأ ، و « أَعْمالُهُمْ » بدل منه بدل اشتمال ، و « كَرَمادٍ » الخبر كقول الزّبّاء : 2900 - ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا « 2 » السادس : أن يكون التقدير : مثل أعمال الذين كفروا ، وهذه الجملة خبر المبتدأ قاله الزمخشري . السابع : أن يكون « مَثَلُ » مبتدأ ، و « أَعْمالُهُمْ » خبره ، أي : مثل أعمالهم ، فحذف المضاف ، و « كَرَمادٍ » على هذا خبر مبتدأ محذوف . وقال أبو البقاء - حين ذكر وجه البدل - : « ولو كان في غير القرآن لجاز إبدال « أَعْمالُهُمْ » من « الَّذِينَ » وهو بدل اشتمال . يعني : أنه كان يقرأ « أَعْمالُهُمْ » مجرورة لكنه لم يقرأ به . و « الرّماد » معروف وهو ما سحقته النار من الأجرام ، وجمعه في الكثرة على « رمد » وفي القلة على « أرمدة » ك « جماد وجمد » وجمعه على « إرمداء » شاذ . والرّماد : السّته أيضا المحكم ، أرمد الماء ، أي : صار بلون الرّماد ، والأرمد : ما كان على لون الرّماد . وقيل : للبعوض رمد لذلك ، ويقال : رماد رمدد ، أي : صار هباء . قوله : « عاصِفٍ » فيه أوجه : أحدها : أنه على تقدير : عاصف ريحه ، أو عاصف الريح ، ثم حذف الريح ، وجعلت الصفة لليوم مجازا كقولهم : يوم ماطر ، وليل نائم . قال الهروي : فحذفت لتقدم ذكرها ، كما قال :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 415 ) . ( 2 ) انظر البيت في الكامل ( 2 / 85 ) ، المغني ( 2 / 582 ) ، التصريح ( 5 / 271 ) ، الهمع ( 1 / 59 ) ، الأشموني ( 2 / 46 ) ، شواهد المغني ( 308 ) ، معاني الفراء ( 2 / 73 ) ، روح المعاني ( 13 / 303 ) .