أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

256

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرأ أبو حيوة : « ليهلكنّ » ، « وليسكننّكم . . . » . بياء الغيبة مناسبة لقوله « رَبُّهُمْ » . قوله : « ذلِكَ » مبتدأ ، وهو مشار به إلى توريث الأرض . و « لِمَنْ خافَ » الخبر ، و « مَقامِي » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقحم وهو بعيد ، إذ الأسماء لا تقحم . الثاني : أنه مضاف للفاعل . قال الفراء : « مَقامِي » « مصدر مضاف لفاعله ، أي : مقامي عليه بالحفظ » . الثالث : أنه اسم مكان . قال الزجاج : مكان وقوفه بين يدي الحساب ، كقوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ « 1 » . قوله : وَعِيدِ أثبت الياء هنا ، وفي « ق » في موضعين : كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ - فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ . وصلا وحذفها وقفا ، ورش عن نافع ، وحذفها الباقون وصلا ووقفا . قوله : وَاسْتَفْتَحُوا . العامة على « اسْتَفْتَحُوا » فعلا ماضيا ، وفي ضميره أقوال : أحدها : أنه عائد على الرسل الكرام ، ومعنى الاستفتاح : الاستنصار إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ « 2 » . وقيل : طلب الحكم من الفتاحة . الثاني : أن يعود على الكفار ، أي : استفتح أمم الرسل عليهم ، كقوله : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ « 3 » ، وقيل عائد على الفريقين ، لأن كلّا طلب النصر على صاحبه . وقيل : يعود على قريش ، لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا ، وهو على هذا استئناف ، وأما على غيره من الأقوال فهو عطف على قوله : فأوحى إليهم وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وابن محيصن « وَاسْتَفْتَحُوا » على لفظ الأمر أمرا للرسل بطلب النصرة ، وهي مقوية لعوده في المشهورة على الرسل ، والتقدير : قال لهم : لنهلكنّ ، وقال لهم : استفتحوا . قوله : وَخابَ في قراءة العامة عطف على محذوف ، تقديره : فنصروا وظفروا ، وخاب ، ويجوز أن يكون عطفا على « اسْتَفْتَحُوا » على أن الضمير فيه للكفار ، وفي غيرها على القول المحذوف . وقد تقدم أنه يعطف الطلب على الخبر ، وبالعكس . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 16 إلى 18 ] مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) و مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ . جملة في محل جر صفة ل « جَبَّارٍ » ، ويجوز أن تكون الصفة وحدها الجار ، و « جَهَنَّمُ » فاعل به . وقوله :

--> ( 1 ) سورة الرحمن آية ، ( 46 ) . ( 2 ) سورة الأنفال آية ، ( 19 ) . ( 3 ) سورة الأنفال آية ، ( 32 ) .