أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
254
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ . وقرأ طلحة : « تدعونا » بإدغام نون الرفع في نون الضمير ، كما تدغم في نون الوقاية . قوله : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ . يجوز في « شَكٌّ » وجهان : أظهرهما : أنه فاعل بالجار قبله ، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام . والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره الجار ، والأول أولى ، بل كان ينبغي أن يتعين ، لأنه يلزم من الثاني الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المبتدأ ، وهذا بخلاف الأول ، فإن الفاعل ليس أجنبيا ، إذ هو فاعل والفاعل كالجزء من رافعه ، ويدل على ذلك تجويزهم « ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد » ، بنصب « أحسن » صفة ، ورفع « الكحل » فاعلا ب « أفعل » ، ولم يضمر الفصل به بين أفعل ، وبين « من » ، لكونه كالجزء من رافعه ، ولم يجوزا رفع « أحسن » خبرا مقدما ، و « الكحل » مبتدأ مؤخر ، لئلا يلزم الفصل بين « أفعل » وبين « من » بأجنبي ، ووجه الاستشهاد من هذه المسألة أنهم جعلوا المبتدأ أجنبيا ، بخلاف الفعل ، ولهذا المسألة موضع غير هذا . وقرأ العامة « فاطِرِ » بالجر ، وفيه وجهان ، النعت والبدلية ، قاله أبو القاء وفيه نظر ، فإنّ الابدال بالمشتقات يقل ، ولو جعله عطف بيان كان أسهل . قال الزمخشري : « أدخلت همزة الإنكار على الظرف ، لأن الكلام ليس في الشك ، إنما هو في المشكوك فيه ، وأنه لا يحتمل الشك ، لظهور الأدلة وشهادتها عليه . قوله : « لِيَغْفِرَ » اللام متعلقة بالدعاء ، أي : لأجل غفران ذنوبكم ، كقوله : 2896 - دعوت لما نابني مسورا * فلبّى فلبّى يدي مسور « 1 » ويجوز أن تكون اللام معدية ، كقولك : « دعوتك لزيد » . وقوله : إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ . والتقدير : يدعوكم إلى غفران ذنوبكم . قوله : « أَنْ تَصُدُّونا » العامة على تخفيف النون ، وقرأ طلحة بتشديدها كما شدد « تدعونّا » ، وفيها تخريجان : أحدهما : ما تقدم في نظيرتها على أن تكون « إِنْ » هي المخففة لا الناصبة ، واسمها ضمير الشأن ، وشذ عدم الفصل بينها وبين الجملة الفعلية . والثاني : أنها الناصبة ، ولكنها أهملت حملا على « ما » المصدرية ، كقراءة : « أَنْ يُتِمَّ » * برفع « يتمّ » وقد تقدم القول فيه ، و « مِنْ » في « مِنْ ذُنُوبِكُمْ » قيل : مزيدة ، وقيل : تبعيضية ، وقيل بمعنى البدل ، أي : بدل عقوبة ذنوبكم ، كقوله : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ « 2 » . قوله : تُرِيدُونَ يجوز أن تكون صفة ثانية ل « بَشَرٌ » ، وحمل على معناه ، لأنه بمنزلة القوم والرّهط ، كقوله : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا . مستأنفا . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 11 ] قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 )
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة التوبة آية ( 38 ) .