أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
250
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قرأ نافع ، وابن عامر برفع الجلالة ، والباقون بخفضها ، ورواها الأصمعي عن نافع بالجر ، فأما الرفع فعلى وجهين . أحدهما : أنه مبتدأ خبره الموصول بعده ، أو محذوف تقديره : اللّه الذي له ما في السماوات وما في الأرض العزيز الحميد . حذف لدلالة ما تقدم . والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو اللّه ، وذلك على المدح ، وأما الجر على البدل عند أبي البقاء ، والحوفي ، وابن عطية ، والبيان عند الزمخشري ، قال : « لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام ، لغلبته على المعبود بحق ، كالنّجم للثّريّا » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا التعليل لا يتم إلّا أن يكون أصله الإله ، ثم فعل به ما تقدم أول هذا الموضوع . وقال الأستاذ ابن عصفور : « لا تقدم صفة على موصوف ، إلا حيث سمع ، وهو قليل ، وللعرب فيه وجهان : أحدهما : أن تتقدم الصفة بحالها ، وفيه إعرابان للنحويين ، أحدهما : أن يعرب صفة متقدمة . والثاني أن يجعل الموصوف بدلا من صفته . الثاني - من الأولين - : أن تضيف الصفة إلى الموصوف فعلى هذا يجوز أن يعرب « الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » صفة متقدمة ، ومن مجيء تقديم الصفة ، قوله : 2890 - والمؤمن العائذات الطّير يمسحها * ركبان مكة بين الفيل والسّعد « 2 » وقول الآخر : 2891 - وبالطّويل العمر عمرا حيدرا « 3 » يريد : الطير العائذات ، وبالعمر الطويل . قلت : وهذا فيما لم يكن الموصوف نكرة . أما إذا كان نكرة ، صار لنا عمل واحد ، وهو أن تنصب تلك الصفة على الحال . قوله : « وَوَيْلٌ » مبتدأ ، وجاز الابتداء به ، لأنه دعاء ك « سَلامٌ عَلَيْكُمْ » . و « لِلْكافِرِينَ » خبره . و « مِنْ عَذابٍ » متعلق ب « الويل » ، ومنعه الشيخ « 4 » لأنه يلزم منه الفصل بين المصدر ومعموله . وقد تقدم لك بحث في ذلك ، وهو : أنّ ذلك ممنوع ، حيث يتقدم المصدر بحرف مصدري ، وفعل ، ولذلك جوّزوا تعلق « بِما صَبَرْتُمْ » ب « سَلامٌ » ولم يعترضوا عليه بشيء . وقد تقدم ذلك في السورة قبلها ، ولا فرق بين الموضوعين . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما وجه اتصال قوله : « مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ » ب « الويل » ؟ قلت : لأنّ المعنى يولولون من عذاب شديد . قال الشيخ « 5 » : فظاهره يدل على تقدير عامل يتعلق به « مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ » . ويجوز أن يتعلق بمحذوف ، لأنه صفة للمبتدأ ، وفيه سلامة الاعتراض المتقدم ، ولا يضر الفصل بالخبر .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 404 ) . ( 2 ) البيت للنابغة الذبياني انظر ديوانه ( 15 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 11 ) ، المقرب ( 1 / 227 ) ، البحر ( 5 / 404 ) ، روح المعاني ( 13 / 182 ) . العائذات : الحديثة النتاج من الحيوان . الفيل : الماء الجاري . والفيل والسعد هنا مكانان . ( 3 ) تقدم وانظر المقرب ( 1 / 227 ) ، الكشاف ( 2 / ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 404 ) . ( 5 ) انظر المصدر السابق .