أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
238
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المجرد ، وإنما نكّر الأودية وعرّف « السَّيْلُ » ، لأن المطر ينزل في البقاع على المناوبة ، فتسيل السّيل بعض أودية الأرض دون بعض ، وتعريف « السَّيْلُ » ، لأنه قد فهم من الفعل قبله وهو « فَسالَتْ » ، وهو لو نكر لكان نكرة ، فلما أعيد أعيد بلفظ التعريف ، نحو : « رأيت رجلا فأكرمت الرّجل » . و « الزَّبَدُ » وضر الغليان وخبثه . قال النابغة : 2878 - فما الفرات إذا هبّ الرّياح له * ترمي أواذيّه العبرين بالزّبد « 1 » وقيل : هو ما يحمله السّيل من غثاء ونحوه ، وما ترمي به ضفّتاه من الحباب ، وقيل : هو ما يطرده الوادي ، إذا حسر ماؤه وارتفعت أمواجه ، وهي عبارات متقاربة ، والزّبد المستخرج من اللّبن ، قيل : مشتق من هذه لمشابهته إياه في اللون ، ويقال : زبدته أي : أعطيته مالا كالزّبد . يضرب به المثل في الكثرة . وفي الحديث : « غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر » « 2 » . قوله : وَمِمَّا يُوقِدُونَ هذا الجار خبر مقدم ومبتدأه « زبد » ، و « مِثْلُهُ » صفة المبتدأ ، والتقدير : ومن الجواهر التي هي كالنّحاس والذّهب والفضّة ، زبد أي : خبث مثله ، أي : مثل زبد الماء ، ووجه المماثلة أن كلا منهما ناشىء من الإكدار . وقرأ الأخوان وحفص « يُوقِدُونَ » بالياء من تحت أي : الناس والباقون بالتاء من فوق على الخطاب . و « عَلَيْهِ » متعلق ب « توقدون » ، وأما « فِي النَّارِ » ففيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « توقدون » وهو قول الفارسي ، والحوفي وأبي البقاء . والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، أي : كائنا أو ثابتا ، قاله مكي وغيره ومنعوا تعلقه ب « توقدون » ، لأنهم زعموا أنه لا يوقد على شيء إلا وهو في النّار ، وتعليق حرف الجر ب « توقدون » يقتضي تخصيص حال من حال أخرى ، وهذا غير لازم . قال أبو علي : قد يوقد على الشيء ، وإن لم يكن في النار ، كقوله تعالى : « فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ » . والطّين لم يكن فيها ، وإنما يصيبه لهبها ، وأيضا فقد يكون ذلك على سبيل التوكيد ، كقوله تعالى : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ . قوله : ابْتِغاءَ فيه وجهان : أظهرهما : أنه مفعول من أجله . 2879 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 3 » وقوله : واللّه تعالى نفى الاستجابة مطلقا ممنوع ، بل نفى تلك الاستجابة الأولى ، لا يقال فثبتت لنا استجابة غير حسنى ، لأن هذه الصفة لا مفهوم لها ، إذ الواقع أنّ الاستجابة للّه لا تكون إلا حسنى . قوله : يصير مفلتا كيف يكون مفلتا مع قول الزمخشري مبتدأ في ذكر ما أعد لهم . وقوله : وأيضا فتوهم الاشتراك ، كيف يتوهم هذا بوجه من الوجوه ، وكيف يقول ذلك مع قوله وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوما ، فإذا علم كيف يتوهم . والوجه الثاني : أن يكون « لِلَّذِينَ » خبرا مقدما ، والمبتدأ « الْحُسْنى » - « وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا » مبتدأ وخبره الجملة اللامتناعية بعده ، ويجوز على الوجه الأول أن يكون : « وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا » مبتدأ ، وخبره الجملة الامتناعية بعده ، وإنما خصّ بضرب الأمثال الذين لم يستجيبوا لانتفاعهم دون غيرهم .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 16 ) ، شرح القصائد العشر ( 531 ) ، روح المعاني ( 13 / 130 ) . أوذايه : مفردها آذى : الموج . العبرين : الضفتين . ( 2 ) أخرجه البخاري 8 / 107 ) ، ومسلم في الدعاء ( 28 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 302 ) ، وانظر تخريجنا له في شرح السنة للبغوي . ( 3 ) بياض في الأصل قدر صفحة .