أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
231
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الوجه الثاني : أن يكون عطفا على « مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ » وحده ، ويوضح هذين الوجهين ما قاله الزمخشري قال : فإن قلت : كان حق العبارة أن يقال : ومن هو مستخف بالليل ، ومن هو سارب بالنهار ، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب ، وإلا فقد تناول واحدا هو مستخف وسارب ؟ قلت : فيه وجهان . أحدهما : أن قوله « وَسارِبٌ » عطف على « مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ » لا على « مُسْتَخْفٍ » . والثاني : أنه عطف على « مُسْتَخْفٍ » ، إلّا أنّ « مَنْ » في معنى الاثنين كقوله : 2868 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان « 1 » كأنه قيل : سواء منكم اثنان : مستخف بالليل ، وسارب بالنهار . قلت : وفي قوله : « كان حق العبارة كذا سوء أدب وقوله كقوله : « نكن مثل من . . . » يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضهم مع ذئب يخاطبه : 2869 - تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان « 2 » وليس في البيت حمل على اللفظ والمعنى إنما فيه حمل على المعنى فقط وهو مقصوده . وقوله : وإلّا فقد تناول واحدا هو « مُسْتَخْفٍ » و « سارِبٌ » لو قال بهذا قائل لأصاب الصواب . وهو مذهب ابن عباس ومجاهد ذهبا إلى أن المستخفي والسارب شخص واحد يستخفي بالليل ويسرب بالنهار ليرى تصرفه في الناس . الثالث : أن يكون على حذف « من » الموصولة ، أي : ومن هو سارب ، وهذا إنما يتمشى عند الكوفيين فإنهم يجيزون حذف الموصول ، وقد تقدم « 3 » استدلالهم على ذلك . والسّارب : اسم فاعل من « سرب يسرب ، أي : تصرّف كيف شاء . قال : 2870 - أنّى سربت وكنت غير سروب * وتقرّب الأحلام غير قريب « 4 » وقال آخر : 2871 - وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيده فهو سارب « 5 » أي : متصرف كيف توجه لا يدفعه أحد ، عن مرعى . يصف قومه بالمنعة والقوة . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 11 ] لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ( 11 ) قوله : لَهُ . الضمير في أربعة أوجه :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر سورة البقرة ، آية : ( 164 ) . ( 4 ) البيت لقيس بن الخطيم انظر الطبري ( 16 / 367 ) ، القرطبي ( 9 / 290 ) ، اللسان « سرب » . ( 5 ) تقدم .