أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
202
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
التي ذكرها الشيخ صارت خمسة ، ولكن لا تحقيق لذلك ، وكذلك إذا التفتنا إلى قول ابن عطية في جعل القول الواحد قولين تصير ستة في اللفظ ، فإذا حققتها لم تجىء الأربعة كما ذكرتها لك . قوله : كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ محل الكاف نصب إما على أنها نعت لمصدر محذوف ، وإما حال من ضميره ، أي : « مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 76 ] فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ( 76 ) وقرأ العامة : وِعاءِ . بكسر الواو ، وقرأ الحسن بضمها ، وهي لغة ، ونقلت عن نافع أيضا ، وقرأ سعيد بن جبير « من إعاء » بإبدال الواو همزة وهي لغة هذلية يبدلون من الواو المكسورة أول الكلمة همزة فيقولون : إشاح وإسادة وإعاء ، في : وشاح ووسادة ووعاء ، وقد تقدم ذلك في الجلالة المعظمة أول هذا الموضوع « 1 » . قوله : ثُمَّ اسْتَخْرَجَها في الضمير المنصوب قولان : أحدهما : أنه عائد على الصّواع ، لأن فيه التذكير والتأنيث كما تقدم ، وقيل : بل لأنه حمل على معنى السّقاية . قال أبو عبيد : « يؤنث الصّواع من حيث يسمى السقاية ويذكر من حيث هو صواع ، قالوا : وكأن أبا عبيد لم يحفظ في الصّواع التأنيث . وقال الزمخشري : « قالوا رجع بالتأنيث على السّقاية » . ثم قال : « ولعل يوسف كان يسميه « سقاية » وعبيدة : « صواعا » ، فقد وقع فيما يتصل به الكلام سقاية ، وفيما يتصل بهم منه « صواعا » . قلت : هذا الأخير حسن . والثاني : أن الضمير على السرقة ، وفيه نظر ، لأن السرقة لا تستخرج إلا بمجاز . قوله : كَذلِكَ كِدْنا ، الكلام في الكاف كالكلام فيما قبلها ، أي : مثل ذلك الكيد العظيم كدنا ليوسف ، أي : علمناه إياه . وقوله : ما كانَ لِيَأْخُذَ تفسير للكيد وبيان له ، وذلك أنه كان في زمن ملك مصر أن يغرم السارق مثلي ما أخذ ، لا أنه يلزم ويستعبد . قوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع تقديره : ولكن بمشيئة اللّه أخذه في دين الملك ، وهو دين آل يعقوب أنّ الاسترقاق جزاء السارق . والثاني : أنه مفرغ من الأحوال العامة ، والتقدير : ما كان ليأخذه في كل حال إلا في حال التباسه بمشيئة اللّه ، أي : إذنه في ذلك ، وكلام ابن عطية محتمل ، فإنه قال : « والاستثناء حكاية حال ، التقدير : إلا أن يشاء اللّه ما وقع من هذه الحيلة » ، وتقدم القراءتان في : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ في الأنعام ، وقرأ يعقوب بالياء من تحت في « نَرْفَعُ » و « نَشاءُ » والفاعل اللّه تعالى ، وقرأ عيسى البصري « نَرْفَعُ » بالنون ، دَرَجاتٍ منونة « يشاء » بالياء ، قال
--> ( 1 ) في تفسير البسملة من سورة الفاتحة .