أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

198

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أن الجواب محذوف . والثاني : أن الواو مزيدة في الجواب على رأي من يرى ذلك ، وهم الكوفيون والأخفش . وقال الشيخ : « وقرأ عبد اللّه فيما نقل الزمخشري وجعل السّقاية في رحل أخيه ، أمهلهم حتى انطلقوا ، ثم أذن مؤذن » . وفي نقل ابن عطية « وجعل » بزيادة واو في « جَعَلَ » دون الزيادة التي زادها الزمخشري بعد قوله : « فِي رَحْلِ أَخِيهِ » فاحتمل أن تكون الواو زائدة على مذهب الكوفيين ، واحتمل أن يكون جواب « لمّا » محذوفا تقديره : فقدرها حافظها كما قيل : إنما أوحي إلى يوسف أن يجعل السقاية فقط ، ثم إنّ صاحبها فقدها ، فنادى برأيه فيما ظهر له ، ورجحه الطبري . وتفتيش الأوعية يرد هذا القول . « قلت : لم ينقل الزمخشري هذه الزيادة ، كلها قراءة عن عبد اللّه ، إنما جعل الزيادة المذكورة بعد قوله : « رَحْلِ أَخِيهِ » ، تقدير جواب من عنده ، وهذا نصه : قال الزمخشري : « وقرأ ابن مسعود ، « وجعل السّقاية » ، على حذف جواب « لمّا » كأنه قيل : فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه ، أمهلهم حتى انطلقوا ، ثم أذن مؤذن » . فهذا من الزمخشري ، إنما هو تقدير لا تلاوة ، منقولة عن عبد اللّه ، ولعله وقع للشيخ نسخة سقيمة . والسّقاية : إناء مستطيل يسقى به ، وهو الصّواع وللمفسرين فيه خلاف كبير . قوله : أَيَّتُهَا الْعِيرُ منادى حذف منه حرف النداء ، و « الْعِيرُ » : مؤنث ولذلك أنث ، أي المتوصل بها إلى ندائه ، والعير فيها قولان : أحدهما : أنها في الأصل جماعة الإبل سميت بذلك ، لأنها تعير ، أي : تذهب وتجيء . والثاني : أنها في الأصل قافلة الحمير كأنها جمع « عير » ، والعير : الحمار ، قال : 2832 - ولا يقيم على ضيم يراد به * إلّا الأذلّان عير الحيّ والوتد « 1 » والأصل : عير وعير بضم العين ، ثم فعل به ما فعل ب « بيض بضم الأول ، ثم أطلق العير على كل قافلة حميرا كانت أو غيرها ، وعلى كل تقدير فنسبة النداء إليها على سبيل المجاز ، لأن المنادي في الحقيقة أهلها ، ونظره الزمخشري بقوله : « يا خيل اللّه اركبي » ، إلا أنه في هذه الآية التفت إلى المضاف المحذوف في قوله : « إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » ، ولم يلتفت إليه في : « يا خيل اللّه اركبي » ، ولو التفت لقال : اركبوا ، ويجوز أن يعبّر عن أهلها بها للمجاورة ، فلا تكون من مجاز الحذف ، بل من مجاز العلاقة ، وتجمعه العرب قاطبة على « عيرات » بفتح الياء ، وهذا مما اتفق على شذوذه ، لأن فعلة المعتلة العين حقها في جمعها بالألف والتاء أن يسكن عينها ، نحو : قيمة وقيمات ، وديمة ، وديمات ، وكذلك فعل دون ياء إذا جمعه حقه أن يسكن عينه ، قال امرؤ القيس : 2833 - غشيت ديار الحيّ بالبكرات * فعارمة فبرقة العيرات « 2 »

--> ( 1 ) البيت للمتلمس ديوانه انظر ديوانه ( 208 ) ، الشعر والشعراء ( 1 / 179 ) ، حاشية يس ( 2 / 306 ) ، وهو أيضا في عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 292 ، تاريخ الطبري 3 / 209 ، والكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 135 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 222 ، محاضرات الأدباء للأصفهاني 2 / 272 . ( 2 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات ( 112 / 58 ) ، والبيهقي في دلائل النبوة ( 4 / 187 ) ، والطبري ( 6 / 133 ) ، وذكر ابن حجر في الفتح ( 7 / 413 ) ، والعجلوني في الكشف ( 2 / 390 ) .