أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
196
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يائه اتباعا لعينه ، ويجمع في القلة على « أبعرة » ، وفي الكثرة على : « بعران » . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 66 إلى 70 ] قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 ) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 69 ) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ( 70 ) قوله : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ . هذا جواب للقسم المضمر في قوله : « مَوْثِقاً » ، لأنه في معنى : حتى تحلفوا لي لتأتنني به . قوله : إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ، في هذا الاستثناء أوجه : أحدها : أنه منقطع قاله أبو البقاء ، يعني : فيكون تقدير الكلام لكن إذا أحيط بكم خرجتم من : عتبي وغضبي عليكم ، إن لم تأتوني به لوضوح عذركم . والثاني : أنه متصل وهو استثناء من المفعول له العام ، قال الزمخشري : « فإن قلت : أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناء ، ففيه إشكال » ؟ قلت : « أَنْ يُحاطَ بِكُمْ » مفعول له ، والكلام المثبت الذي هو قوله : « لَتَأْتُنَّنِي بِهِ » في معنى النفي ، معناه : لا تمتنعون من الإتيان به إلّا للإحاطة بكم ، أي : لا تمتنعون منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة ، وهي « أَنْ يُحاطَ بِكُمْ » ، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له ، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي وحده ، فلا بد من تأويله بالنفي ، ونظيره في الإثبات المتأول بمعنى النفي قولهم : « أقسمت باللّه لمّا فعلت ، وإلّا فعلت » ، تريد : « ما أطلب منك إلّا الفعل » . ولوضوح هذا الوجه لم يذكر غيره . والثالث : أنه مستثنى من أعم العام في الأحوال . قال أبو البقاء : « تقديره : لتأتنني به على كلّ حال إلّا في حال الإحاطة بكم » . قلت : قد نصّوا على أنّ « أَنْ » الناصبة للفعل لا تقع موقع الحال ، وإن كانت مؤولة بمصدر يجوز أن تقع موقع الحال ، لأنّهم لم يعتقدوا في المؤول ما يعتقدونه في الصريح ، فيجيزون : « جئتك ركضا » ، ولا يجيزون : « جئتك أن أركض » ، وإن كان في تأويله . والرابع : أنه مستثنى من أعم العام في الأزمان ، والتقدير : لتأتنني به في كل وقت إلّا في وقت الإحاطة بكم ، وهذه المسألة تقدم فيها خلاف . وأنّ أبا الفتح أجاز ذلك ، كما يجوزه في المصدر الصريح ، فكما تقول : « أتيتك صياح الديك » ، يجيز : أن يصيح الديك ، وجعل من ذلك قول تأبط شرا :