أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

192

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

محذوف ، أي : ذلك الذي صرحت به من براءته ، أمر من اللّه لا بد منه ، و « لِيَعْلَمَ » متعلق بذلك الخبر ، أو يكون « ذلِكَ » مفعولا لفعل مقدر يتعلق به هذا الجار أيضا ، أي : فعل اللّه ذلك ، أو فعلته أنا بتيسير اللّه ليعلم . قوله : بِالْغَيْبِ يجوز أن تكون الباء ظرفية ، قال الزمخشري : « أي : بمكان الغيب ، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة « 2 » . ويجوز أن تكون الباء للحال ، إما من الفاعل على معنى : وأنا غائب عنه خفي عن عينه ، وإما من المفعول على معنى : وهذا غائب عني خفي عن عيني ، وهذا كلام يوسف - عليه السّلام - وبه بدأ الزمخشري كالمختار له . وقال غيره : إنه من كلام امرأة العزيز ، وهو الظاهر . وقوله : وَأَنَّ اللَّهَ نسق على « أَنِّي » ، أي : ليعلم الأمرين . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 53 إلى 62 ] وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) قوله : إِلَّا ما رَحِمَ . فيه أوجه : أحدها : أنه مستثنى من الضمير المستكن في « أمّارة » كأنه قيل : إنّ النفس لأمّارة بالسوء ، إلّا نفسا رحمها ربي فيكون أراد ب « النَّفْسَ » الجنس ، فلذلك ساغ الاستثناء منها ، كقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا « 1 » ، وإلى هذا نحا الزمخشري ، فإنه قال : « إلّا بعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة » . وفيه نظر من حيث إيقاع « ما » على من يعقل ، والمشهور خلافه . والثاني : « ما » في معنى الزمان فيكون مستثنى من الزمن العام المقدر ، والمعنى : إنّ النفس لأمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي إياها بالعصمة ، ونظره أبو البقاء بقوله تعالى : وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا « 2 » وقد تقدم « 3 » أنّ الجمهور لا يجيزون أن تكون « أَنْ » واقعة موقع الظرف .

--> ( 1 ) سورة العصر ، الآية رقم 3 . ( 2 ) سورة النساء ، آية : ( 92 ) . ( 3 ) انظر السورة السابقة .