أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
190
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 51 إلى 52 ] قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) وقوله : سَبْعٌ شِدادٌ . حذف المميز وهو الموصوف لدلالة ما تقدم عليه ، ونسب الأكل إليهن مجازا ، كقوله : وَالنَّهارَ مُبْصِراً * لما كان الأكل والإبصار فيهما جعلا كأنهما واقعان منهما . قوله : يُغاثُ النَّاسُ . يجوز أن تكون الألف عن واو ، وأن تكون عن ياء ، إما من الغوث وهو الفرج ، وفعله رباعي ، يقال : أغاثنا اللّه من الغوث ، وإما من الغيث وهو المطر ، يقال : غيثت البلاد ، أي : مطرت ، وفعله ثلاثي ، يقال : غاثنا اللّه من الغيث ، وقالت أعرابية : غثنا ما شئنا ، أي : مطرنا ما أردنا . قوله : يَعْصِرُونَ قرأ الأخوان « تعصرون » بالخطاب ، والباقون بياء الغيبة ، وهما واضحتان لتقدم مخاطب وغائب ، فكل قراءة ترجع إلى ما يليق به ، و « يَعْصِرُونَ » يحتمل أوجها : أظهرها : أنه من عصر العنب ، أو الزّيتون ، أو نحو ذلك . والثاني : أنه من عصر الضّرع إذا حلبه . والثالث : أنه من العصرة وهي المنجاة ، والعصر المنجّي ، قال أبو زبيد في عثمان - رضي اللّه عنه - : 2824 - صاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصرة المنجود « 1 » ويعضد هذا الوجه مطابقة قوله : « فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ » يقال : عصره يعصره ، أي : أنجاه . وقرأ جعفر بن محمد والأعرج « يَعْصِرُونَ » بالياء من تحت ، وعيسى البصرة بالتاء من فوق وهم في كلتا القراءتين للمبني للمفعول ، وفي هاتين القراءتين تأويلان : أحدهما : أنها من عصره إذا أنجاه ، قال الزمخشري : « وهو مطابق للإغاثة » . والثاني : - قاله قطرب - : أنهما من الإعصار وهو إمطار السحابة الماء ، كقوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ « 2 » . قال الزمخشري : « وقيل : « يَعْصِرُونَ » يمطرون من أعصرت السّحابة » ، وفيه وجهان : الأول : إما أن يضمن أعصرت معنى أمطرت فتعدى تعديته . الثاني : وإما أن يقال : الأصل أعصرت عليهم فحذف الجار وأوصل الفعل إلى ضميرهم أو يسند الإعصار إليهم مجازا ، فجعلوا « معصرين » . وقرأ زيد بن علي « يعصّرون » بكسر الياء والعين والصاد مشددة ، وأصلها : يعتصرون ، فأدغم التاء في الصاد ، واتبع العين للصاد ، ثم أتبع للعين . وتقدم تحريره في قوله : أَمَّنْ لا يَهِدِّي ، ونقل النقاش قراءة « يعصّرون » بضم الياء ، وفتح العين وكسر الصاد مشددة من « عصّر » للتكثير ، وهذه القراءة وقراءة
--> ( 1 ) البيت في مجاز القرآن ( 1 / 313 ) ، والبحر المحيط ( 5 / 315 ) ، والطبري ( 16 / 131 ) ، القرطبي ( 9 / 205 ) ، روح المعاني ( 12 / 256 ) ، اللسان « عطر » ، ( 2 ) سورة النبأ ، آية : ( 14 ) .