أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

182

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

القول المضمر في محل نصب على الحال ، أي : ظهر لهم كذا قائلين واللّه لنسجننه حتى حين . وقرأ الحسن « لتسجننّه » بتاء الخطاب ، وفيه تأويلان : أحدهما : أن يكون خاطب بعضهم بعضا بذلك . والثاني : أن يكون خوطب به العزيز تعظيما له ، وقرأ ابن مسعود « عتى » بابدال حاء « حَتَّى » عينا ، وقرأ بها غيره ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فكتب إليه : إنّ هذا القرآن نزل بلغة قريش ، فاقرىء الناس بلغتهم . قلت : وإبدال الحاء عينا لغة هذليّة . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 36 إلى 41 ] وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 39 ) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 40 ) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) قوله : قالَ أَحَدُهُما . مستأنف ، لا محل له ، ولا يجوز أن يكون حالا ، لأنهما لم يقولا ذلك حال الدخول ، ولا يجوز أن تكون مقدرة ، لأن الدخول لا يؤول إلى الرؤيا . و « إِنِّي » وما في خبرها في محل نصب بالقول . و « أَرانِي » هنا متعدية لمفعولين عند بعضهم ، إجراء للحلمية مجرى العلمية ، فتكون الجملة من قوله : « أَعْصِرُ » في محل المفعول الثاني ، ومن منع كانت عنده في محل الحال ، وجرت الحلمية مجرى العلمية في اتحاد فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين ، ومنه الآية الكريمة فإنّ الفاعل والمفعول متحدان في المعنى ، إذ هما للمتكلم ، وهما ضميران متصلان ، ومثله : « رأيتك في المنام قائما ، وزيد رآه قائما » ، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر . لا تقول : « أكرمتني ، ولا أكرمتك ، ولا زيد أكرمه » ، فإن أردت ذلك قل : « أكرمت نفسي أو إيّاي ونفسك ، أو إيّاي ونفسه ، أو إيّاه » ، وقد تقدم تحقيق هذا . وإذا دخلت همزة النقل على هذه الجملة تعدت لثالث ، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله تعالى : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً « 1 » .

--> ( 1 ) انظر سورة الأنفال ، آية : ( 43 ) .