أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
169
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
هم البتة كقولك : « لولا زيد لأكرمتك » فالمعنى : إنّ الاكرام ممتنع لوجود زيد ، وبهذا يتخلص من الإشكال الذي يورد ، وهو كيف يليق بنبي أن يهمّ بامرأة ؟ قال الزمخشري : فإن قلت : قوله : « وَهَمَّ بِها » داخل تحت حكم القسم في قوله : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ » أم خارج منه ؟ قلت : الأمران جائزان ، ومن حق القارئ إذا قصد خروجه من حكم القسم ، وجعله كلاما برأيه أن يقف على قوله : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ » ، ويبتدئ قوله : « وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » وفيه أيضا إشعار بالفرق بين الهمين ، فإن قلت : لم جعلت جواب « لَوْ لا » محذوفا يدل عليه « وَهَمَّ بِها » وهلّا جعلته هو الجواب مقدما ؟ قلت : لأن « لَوْ لا » لا يتقدم عليها جوابها ، من قبل أنه في حكم الشرط ، وللشرط صدر الكلام ، وهو ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة ، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض ، وأما حذف بعضها إذا دلّ عليه الدليل فهو جائز . قلت : قوله : وأما حذف بعضها إلى آخره ، جواب عن سؤال مقدر ، وهو أنه إذا كان الشرط في الجملتين بمنزلة كلمة واحدة ، فينبغي أن لا يحذف منها شيء ، لأن الكلمة لا يحذف منها شيء ؟ فأجاب بأنه يجوز إذا دل دليل على ذلك ، وهو كما قال . ثم قال : فإن قلت : لم جعلت « لَوْ لا » متعلقة ب « هَمَّ بِها » وحده ، ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها » ، لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ، ولكن بالمعاني ، فلا بد من تقدير المخالطة ، والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معا ، فكأنه قيل ، ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما ؟ قلت : نعم ما قلت ، ولكنّ اللّه سبحانه قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل ، حيث قال : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها » . قلت : والزجاج لم يرتض هذه المقالة ، أعني : كون قوله « لَوْ لا » متعلقة ب « هَمَّ بِها » فإنّه قال : « ولو كان الكلام ولهم بها لكان بعيدا ، فكيف مع سقوط اللام . يعني الزجاج أنه لا جائز أن يكون « وَهَمَّ بِها » جوابا ل « لَوْ لا » ، لأنه لو كان جوابها لاقترن باللام ، لأنه مثبت ، وعلى تقدير أنه كان مقترنا باللام ، كان يبعد من جهة أخرى ، وهي تقديم الجواب عليها ، وجواب ما قاله الزجاج ما قدمته عن الزمخشري ، من أن الجواب محذوف مدلول عليه بما تقدم . وأما قوله : ولو كان الكلام ولهم بها فغير لازم ، لأنه متى كان جواب « لو » مثبتا جاز فيه الأمران : اللام وعدمها ، وإن كان الإتيان باللام هو الأكثر . وتابع ابن عطية الزجاج أيضا في هذا المعنى ، فقال : « قول من قال : إنّ الكلام قد تم في قوله : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ » ، وأن جواب « لَوْ لا » ، في قوله : « وَهَمَّ بِها » ، وأن المعنى لولا أن رأى البرهان لهمّ بها ، فلم يهم يوسف - عليه السّلام - قال : وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف . وأما قوله : يرده لسان العرب فليس كذلك ، لأن وزن هذه الآية وزن قوله : إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ، فقوله « إِنْ كادَتْ » إما أن يكون جوابا عند من يرى ذلك ، وإما أن يكون دالا على الجواب ، وليس هو خروج عن كلام العرب ، هذا معنى ما ردّ به عليه الشيخ . قلت : وكأن ابن عطية إنما يعني بالخروج عن لسان العرب تجرد الجواب من اللام على تقدير جواز تقديمه ، والفرض أن اللام لم توجد . قوله : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ في هذه الكاف أوجه : أحدها : في محل نصب فقدره الزمخشري : مثل ذلك التثبت ثبتناه . وقدره الحوفي : « أريناه البراهين بذلك » . وقدره ابن عطية : « جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرف » . وقدّره أبو البقاء : نراعيه كذلك . الثاني : أن الكاف في محل رفع ، فقدره الزمخشري وأبو البقاء : الأمر مثل ذلك ، وقدره ابن عطية : « عصمته كذلك » ، وقال الحوفي : أمر البراهين كذلك . ثم قال : « والنصب أجود لمطالبة حروف للأفعال أو معانيها » . الثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا وتقديره همت به وهم بها كذلك ثم قال : لولا أن رأى برهان ربه لنصرف