أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

167

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَراوَدَتْهُ أي : طالبته برفق ولين قول ، والمراودة : المصدر ، والرّيادة : طلب النكاح ، ومشى رويدا أي : برفق في مشيه ، والرّود : الرّفق في الأمور والتأني فيها ، ورادت المرأة في مشيها ، ترود رودا من ذلك ، والمرود : هذه الآلة منه ، والإرادة منقولة من راد يرود ، إذا سعى في طلب حاجة ، وقد تقدم ذلك في البقرة ، وتعدى هنا ب « عَنْ » ، لأنه ضمن معنى خادعته ، أي : خادعته عن نفسه ، والمفاعلة هنا من الواحد ، نحو : « داويت المريض » ويحتمل : أن يكون على بابها ، فإن كلّا منهما كان يطلب من صاحبه شيئا برفق ، هي تطلب منه الفعل ، وهو يطلب منها التّرك . والتشديد في « غَلَّقَتِ » للتكثير لتعدد المحالّ . قوله : هَيْتَ لَكَ اختلف أهل النحو في هذه اللفظة ، هل هي عربية أم معربة ؟ فقيل : معربة من القبطيّة ، بمعنى : هلمّ لك . قاله السدي . وقيل : من السريانية ، قاله ابن عباس والحسن . وقيل : من العبرانيّة ، وأصلها « هيتالج » ، أي : تعاله ، فأعربه القرآن ، قاله أبو زيد الأنصاري ، وقيل : هي لغة حورانية وقعت إلى أهل الحجاز ، فتكلموا بها ، ومعناها : « تعال » ، قاله الكسائي والفراء ، وهو منقول عن عكرمة والجمهور على أنها عربية . قاله مجاهد : هي كلمة حثّ وإقبال ، ثم هي في بعض اللغات تتعين فعليتها ، وفي بعضها اسميتها ، وفي بعضها يجوز الأمران ، وستعرف ذلك من القراءات المذكورة فيها . فقرأ نافع وابن ذكوان « هيت » بكسر الهاء ، و « ياء » ساكنة ، و « تاء » مفتوحة ، وقرأ « هَيْتَ » بفتح الهاء ، و « ياء » ساكنة ، و « تاء » مضمومة ، ابن كثير ، وقرأ « هئت لك » بكسر الهاء ، وهمزة ساكنة ، و « تاء » مفتوحة أو مضمومة ، هشام ، وقرأ « هَيْتَ » بفتح الهاء ، و « ياء » ساكنة ، وتاء مفتوحة الباقون . فهذه خمس لغات قراءات في السبع ، وقرأ ابن عباس وأبو الأسود والحسن وابن محيصن بفتح الهاء وياء ساكنة ، وتاء مكسورة ، وحكى النحاس : أنه قرىء : بكسر الهاء والياء بينهما ياء ساكنة . وقرأ ابن عباس « هييت » بضم الهاء وكسر الياء بعدها ساكنة ، ثم تاء مضمومة ، بزنة جييت ، وقرأ زيد بن علي ، وابن أبي إسحاق بكسر الهاء ، وياء ساكنة ، وتاء مضمومة ، فهذه أربع في الشاذ ، فصارت تسع قراءات فتعين كونها اسم فعل في غير قراءة ابن عباس « هيت بزنة جيت » وفي غير قراءة كسر الهاء سواء كان ذلك بالياء أم بالهمزة ، فمن فتح التاء بناها على الفتح ، تخفيفا نحو : أين ، وكيف ، ومن ضمها كابن كثير فتشبيها ب « جيت » ، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين ك « تختر » وفتح الهاء وكسرها لغتان ، وتتعين فعليتها في قراءة ابن عباس « هيّئت بزنة جيّئت » فإنها فيها فعل ماض مبني للمفعول مسند لضمير المتكلم من « هيّأت الشّيء » ، ويحتمل الأمرين في قراءة من كسر الهاء وضم التاء ، فيحتمل أن يكون فيه اسم فعل بنيت على الضم ، ك « حيث » ، وأن يكون فعلا مسندا لضمير المتكلم من هاء الرّجل يهيء ، كجاء يجيء ، وله حينئذ معنيان : أحدهما : أن يكون بمعنى : حسنت هيئته . والثاني : أن يكون بمعنى : تهيّأ ، يقال : هيئت ، أي : حسنت هيئتي أو تهيّأت . وجوّز أبو البقاء أن يكون « هئت هذه : هاء يهاء ، ك « شاء ، يشاء » ، وقد طعن جماعة على قراءة هشام التي بالهمز وفتح التاء ، فقال الفارسي : يشبه أن الهمز وفتح التاء وهم من الرّاوي ، لأن الخطاب من المرأة ليوسف ، ولم يتهيأ لها بدليل قوله « وَراوَدَتْهُ » ، و « أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ » . وتابعه على ذلك جماعة ، وقال مكي - بن أبي طالب - : « يجب أن يكون اللفظ هيت لي ، ولم يقرأ بذلك أحد » . وأيضا فإنّ المعنى على خلافه ، لأنه لم يزل يفر منها ويتباعد عنها وهي تراوده وتطلبه وتقد قميصه ، فكيف تخبر أنه تهيأ لها ؟ وقد أجاب بعضهم عن هذين الإشكالين ، بأن المعنى تهيأ لي أمرك ،