أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

142

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

خففها ، وأما قراءة أبي عمرو والكسائي فواضحة جدّا ، فإنّها « إِنَّ » المشددة عملت عملها ، واللام الأولى لام الابتداء الداخلة على خبر « إن » ، والثانية جواب قسم محذوف ، أي : وإن كلّا للذين واللّه ليوفينهم ، وقد تقدم وقوع « ما » على العقلاء مقررا ، ونظير هذه الآية قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ « 1 » غير أن اللام في « لمن » داخلة على الاسم ، وفي « لَمَّا » داخلة على الخبر . وقال بعضهم : « ما » هذه زائدة زيدت للفصل بين اللامين ، لام التوكيد ولام القسم ، وقيل : اللام في « لَمَّا » موطئة للقسم مثل اللام في قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ « 2 » ، والمعنى : وإن جميعهم واللّه ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود . قال الفراء - عند ذكره هذه الآية - : « جعل « ما » اسما للناس كما جاز : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ « 3 » ، ثم جعل اللام التي فيها جوابا ل « إن » ، وجعل اللام التي في « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ » لأنما دخلت على نية يمين فيها : فيما بين « ما » وصلتها ، كما تقول : هذا من ليذهبن ، وعندي ما لغيره خير منه ، ومثله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ . ثم قال بعد ذلك ما يدل على أن اللام مكررة فقال : إذا عجّلت العرب باللام في غير موضعها أعادوها إليه نحو : « إن زيدا لإليك لمحسن » . ومثله : 2750 - ولو أنّ قومي لم يكونوا أعزّة * لبعد لقد لاقيت لا بدّ مصرعا « 4 » قال : « أدخلها في بعد وليس بموضعها ، وسمعت أبا الجرّاح يقول : إني لبحمد اللّه لصالح » . وقال الفارسي - في توجيه هذه القراءة - : ووجهها بين وهو أنه نصب كلّا ب « إن » وأدخل لام الابتداء في الخبر ، وقد دخلت في الخبر لام أخرى ، وهي التي يلتقي بها القسم ، وتختص بالدخول على الفعل ، فلما اجتمعت اللامان فصل بينهما ، كما فصل بين « إن » و « اللام » فدخلت « ما » إن كانت زائدة للفصل ، ومثله في الكلام « إنّ زيدا لمّا لينطلق » . « فهذا ما تلخص لي من توجيهات هذه القراءات الأربع ، وقد طعن بعض الناس في بعضها بما لا تتحقق له ، فلا ينبغي أن يلتفت إلى كلامه » قال المبرد - وهي جراءة منه - : « هذا لحن ، يعني تشديد « لَمَّا » قال : لأن العرب لا تقول : « إن زيدا لما خارج » ، وهذا مردود عليه » . قال الشيخ : « وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال وهو : « إنّ زيدا لمّا خارج » هذا المثال لحن . قلت : إن عنى أنه ليس مثله في التركيب من كل وجه ، فمسلم ، ولكن ذلك لا يفيد فيما نحن بصدده ، وإن عنى أنه ليس مثله في كونه دخلت « لَمَّا » المشددة على خبر « إن » فليس كذلك ، بل هو مثله في ذلك فتسليمه اللحن في المثال المذكور ليس بصواب ، لأنه يستلزم ما لا يجوز أن يقال . وقال أبو جعفر : القراءة بتشديدهما عند أكثر النحويين لحن ، حكي عن محمد بن يزيد أنه قال : إن هذا لا يجوز ، ولا يقال : « إن زيدا إلّا لأضربنّه » ، ولا « لمّا لأضربنّه » - قال : وقال الكسائي : اللّه - عزّ وجلّ - أعلم لا أعرف لهذه القراءة وجها . وقد تقدم ذلك ، وتقدم أيضا : أن الفارسي قال : كما لا يحسن « إن زيدا إلا لمنطلق » لأنّ « إلّا » إيجاب بعد نفي ولم يتقدم هنا إلا إيجاب مؤكد فكذا لا يحسن « إن زيد إلّا منطلق » لأنه بمعناه ، وإنما ساغ « نشدتك باللّه لمّا فعلت » ، إلى آخر ما ذكرته عنه . وهذه كلها أقوال مرغوب عنها ، لأنها معارضة للمتواتر القطعي . وأما القراءات الشاذة فأولها أبي ومن معه « وإن كلّ لمّا » بتخفيف « إن » ورفع « كلّ » على أنها « إن » النافية ، و « كلّ » مبتدأ ، و لَمَّا » مشددة بمعنى « إلّا » و « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ » جواب قسم محذوف ، وذلك

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية : ( 72 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : ( 65 ) . ( 3 ) سورة النساء آية ، ( 3 ) . ( 4 ) انظر البيت في تفسير الطبري ( 16 / 498 ) ، الفراء ( 2 / 30 ) .