أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

140

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بأن « إن » النافية لا ينصب الاسم بعدها ، وهذا اسم منصوب بعدها ، وأجاب بعضهم عن ذلك بأن « كُلًّا » منصوب بإضمار فعل فقدّره قوم منهم أبو عمرو بن الحاجب : « وأن أرى كلّا ، وإن أعلم » ونحوه ، قال : ومن ههنا كانت أقل إشكالا من قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجه الذي غير مستبعد ذلك الاستبعاد ، وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف النفي استبعاد ، وذلك اختلفوا في قول الشاعر : 2745 - ألا رجلا جزاه اللّه خيرا * يدلّ على محصّلة تبيت « 1 » هل هو منصوب بفعل مقدّر ، أو نون ضرورة ؟ فاختار الخليل إضمار الفعل ، واختار يونس التنوين للضرورة ، وقدره « 2 » بعضهم بعد « لَمَّا » من لفظ « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ » ، والتقدير وإن كلّا إلّا ليوفينهم وفي هذا التقدير بعد كثير أو امتناع ، لأن ما بعد إلا لا يعمل فيما قبلها ، واستدل أصحاب هذا القول أعني : مجيء « لَمَّا » بمعنى : إلا بنص الخليل وسيبويه على ذلك ونصره الزجاج . قال بعضهم : وهي لغة هذيل ، يقولون : سألتك اللّه لمّا فعلت » أي : إلّا فعلت ، وقد أنكر الفراء وأبو عبيد ، ورود « لَمَّا » بمعنى : « إلّا » ، قال أبو عبيد ؛ « أما من شدد « لَمَّا » بتأويل « إلّا » فلم نجد هذا في كلام العرب ، ومن قال هذا لزمه أن يقول : « قام القوم لمّا أخاك » ، يريد : إلّا أخاك ، وهذا غير موجود ، وقال الفراء : وأما من جعل « لَمَّا » بمنزلة « إلّا » فهو وجه لا نعرفه . وقد قالت العرب في اليمين : « بالله لمّا قمت عنّا ، وإلّا قمت عنّا » ، فأما في الاستثناء فلم يقولوه في شعر ولا في غيره ، ألا ترى أنّ ذلك لو جاز لسمعت في الكلام : « ذهب النّاس لمّا زيدا » . قلت : فأبو عبيد أنكر مجيء « لَمَّا » بمعنى : إلّا مطلقا ، والفراء جوز ذلك في القسم خاصة ، وتبعه الفارسي ، في ذلك فإنه قال في تشديد « لَمَّا » في هذه الآية : « لا يصلح أن تكون بمعنى : إلا ، لأن « لَمَّا » هذه لا تفارق القسم » . وردّ الناس قوله بما حكاه الخليل وسيبويه ، وبأنها لغة هذيل مطلقا ، وفيه نظر ، فإنهم لما حكوا اللغة الهذيليّة حكوها في القسم ، كما تقدم من نحو : « نشدتك باللّه لمّا فعلت » ، و « أسألك باللّه لمّا فعلت » ، وقال أبو علي أيضا مستشكلا تشديد « لَمَّا » في هذه السورة على تقدير : أن « لَمَّا » بمعنى « إلّا » لا تختص بالقسم - ما معناه - : « أن تشديد « لَمَّا » ضعيف ، سواء شددت « إِنَّ » أم خففتها ، قال : لأنه قد نصب بها « كُلًّا » وإذا نصب بالمخففة كانت بمنزلة المثقلة ، فكما لا يحسن « إن زيدا إلّا منطلق » لأن إلا تجيء بعد نفي ، ولم يتقدم هنا إلّا إيجاب مؤكد ، فكذا لا يحسن « إن زيدا لمّا منطلق » لأنه بمعناه ، وإنما ساغ « نشدتك اللّه إلّا فعلت ، ولمّا فعلت » ، لأن معناه الطلب ، ، فكأنه قال : ما أطلب منك إلّا فعلك ، فحرف النفي مراد ، مثل : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا « 3 » ومثل ذلك أيضا قولهم : « شرّ أهرّ ذا ناب » ، أي : ما أهر ذا ناب إلّا شر ، قال : « وليس في الآية معنى النفي ولا الطلب » . وقال الكسائي : « لا أعرف وجه التثقيل في « لَمَّا » . قال الفارسي : « ولم يبعد فيما قال » ، وروي عن الكسائي أيضا أنه قال : « اللّه عزّ وجلّ أعلم بهذه القراءة لا أعرف لها وجها » . الثامن : قال الزجاج : قال بعضهم قولا ولا يجوز غيره أن « لَمَّا » في معنى « إلّا » مثل : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ « 4 » ، ثم اتبع ذلك بكلام مشكل حاصله يرجع إلى أن معنى : « إن زيدا لمنطلق » ، « ما زيد إلّا منطلق » ، فأجريت المشددة كذلك في هذا المعنى ، إذا كانت اللام في خبرها وعملها النصب في اسمها باق بحالة مشددة ، ومخففة ، والمعنى : نفي « ب « إن » وإثبات ب « اللام » التي بمعنى « إلّا » . و « لَمَّا » بمعنى « إلّا » .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 268 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية : ( 85 ) . ( 4 ) سورة الطارق ، آية : ( 4 ) .