أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

14

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 20 ) قوله : أَوْ بَدِّلْهُ . يحتمل التبديل في الذات والتبديل في الصفات بمعنى : اجعل آية عذاب مكان آية رحمة ، فإن قيل : يلزم على الأول التكرار في قوله : « ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا » فالجواب أن معنى الأول : ائت بقرآن غيره مع بقائه أو بدله بأن تزيل ذاته بالكلية ، فيتغاير المطلوبان . و « تِلْقاءِ » مصدر على « تفعال » ولم يجئ مصدر بكسر التاء إلا هذا و « التّبيان » . وقرىء شاذا « 1 » بفتح التاء ، وهو قياس المصادر الدالة على التّكرار ك « التّطواف ، والتّجوال » وقد يستعمل التّلقاء بمعنى قبالتك فينتصب انتصاب الظروف المكانية . قوله : وَلا أَدْراكُمْ بِهِ . أي : ولا أعلمكم اللّه به من : دريت أي : علمت ، ويقال : دريت بكذا ، وأدريتك بكذا ، أي : أحطت به بطريق الدراية ، وكذلك علمت به ، فيضمن العلم معنى الإحاطة فيعدى تعديها . وقرأ ابن كثير عن البزي « ولأدراكم » بلام داخلة على « أَدْراكُمْ » مثبتا ، والمعنى : ولا أعلمكم به من غير وساطتي إما بواسطة ملك أو رسول غيري من البشر ، ولكنه خصّني بهذه الفضيلة ، وقراءة الجمهور « لا » فيها مؤكدة ، لأنّ المعطوف على المنفي منفي ، وليست « لا » هذه هي التي ينفى بها الفعل ، لأنه لا يصح نفي الفعل بها إذا وقع جوابا ، والمعطوف على الجواب جواب ، ولو قلت : لو كان كذا لا كان كذا ، لم يجز ، تقول : ما كان كذا ، وقرأ ابن عباس ، والحسن ، وابن سيرين ، وأبو رجاء « وَلا أَدْراكُمْ » بهمزة ساكنة بعد الراء . وفي هذه القراءة تخريجان : أحدهما : أنها مبدلة من ألف ، والألف منقلبة عن ياء لانفتاح ما قبلها ، وهي لغة لعقيل ، حكاها قطرب ، يقولون في أعطيتك ، أعطاتك ، وقال أبو حاتم : قلب الحسن الياء ألفا كما في لغة بني الحرث ، يقولون : علاك وإلاك ، ثم همز على لغة من قال في العالم العالم . وقيل : بل أبدلت الهمزة من نفس الياء « لبأت بالحج » ، و « رثأت فلانا » أي : لبيت ورثيت . والثاني : أن الهمزة أصلية وأن اشتقاقه من الدرء وهو النفع كقوله : « وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ » . ويقال : « أدرأته » ، أي : جعلته داريا ، والمعنى : ولأجعلنكم بتلاوته خصما تدرأونني بالجدال « 2 » . وقال أبو البقاء : وقيل هو غلط ، لأنّ قارئها ظن أنها من الدّرء وهو الدّفع . وقيل : ليس بغلط ، والمعنى : لو شاء اللّه لدفعكم عن الإيمان به . وقرأ شهر بن حوشب والأعمش « ولا أنذرتكم من الإنذار ، وكذلك هي في حرف عبد اللّه . والضمير في « قَبْلِهِ » عائد على القرآن ، وقيل : على النزول ، وقيل : على وقت النزول . و « عُمُراً » مشبه بظرف الزمان فانتصب انتصابه ، أي : مدّة متطاولة ، وقيل : هو على حذف مضاف أي : مقدار عمر . وقرأ الأعمش « عمرا » بسكون الميم كقولهم « عضدا » في « عضد » .

--> ( 1 ) أنظر البحر ( 5 / 232 ) . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 133 ) .