أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
120
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يقصد به إخراجها من المأمور بالإسراء منهم ، ولا من المنهيين عن الالتفات ، ولكن استؤنف الإخبار عنها . فالمعنى : لكن امرأتك يجري لها كذا وكذا ، ويؤيد هذا المعنى أن مثل هذه الآية جاءت في سورة الحجر ، وليس فيها استثناء البتة . قال تعالى : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ « 1 » ، فلم تقع العناية في ذلك إلّا بذكر من أنجاهم اللّه تعالى ، فجاء شرح حال امرأته في سورة هود تبعا لا مقصودا بالإخراج مما تقدم ، وإذا اتضح هذا المعنى علم أن القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع ، وفيه النصب والرفع ، فالنصب لغة أهل الحجاز ، وعليه الأكثر ، والرفع لغة تميم ، وعليه اثنان من القراء . قال الشيخ « 2 » : « وهذا الذي طول به لا تحقيق فيه ، فإنه إذا لم يقصد إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ، ولا من المنهيين عن الالتفات ، وجعل الاستثناء منقطعا كان من المنقطع الذي لم يتوجه عليه العامل بحال ، وهذا النوع يجب فيه النصب على كلتا اللغتين ، وإنما تكون اللغتان فيما جاز توجه العامل عليه ، وفي كلا النوعين يكون ما بعد إلّا من غير جنس المستثنى ، فكونه جاز فيه اللغتان دليل على أنه يمكن أن يتوجه عليه العامل ، وهو قد فرض أنه لم يقصد بالاستثناء إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ، ولا من المنهيين عن الالتفات ، فكان يجب فيه إذ ذاك النصب قولا واحدا . قلت : القائل بذلك هو الشيخ شهاب الدين أبو شامة . وأما قوله : إنه لم يتوجه عليه العامل ليس بمسلم ، بل يتوجه عليه من الجملة . والذي قاله النحاة مما لم يتوجه عليه العامل من حيث المعنى نحو : « ما زاد إلّا ما نقص ، وما نفع إلّا ما ضرّ » . وهذا ليس من ذاك فكيف يعترض به على أبي شامة ، وأما النصب ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مستثنى من « بِأَهْلِكَ » ، واستشكلوا عليه إشكالا من حيث المعنى ، وهو أنه يلزم أن لا يكون سرى بها ، لكن الغرض أنه سرى بها يدل عليه أنها التفتت ، ولو لم تكن معهم لما حسن الإخبار عنها بالالتفات . فالالتفات يدلّ على كونها سرت معهم قطعا ؟ وقد أجيب عنه بأنه لم يسر هو بها ، ولكن لما سرى هو وبنتاه تبعتهم فالتفتت ، ويؤيد أنه استثناء من الأهل ، ما قرأ به عبد اللّه ، وسقط من مصحفه : « فأسر بأهلك بقطع من اللّيل إلّا امرأتك » ولم يذكر قوله : « وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ » . والثاني : أنه مستثنى من « أَحَدٌ » وكان الأحسن الرفع ، إلّا أنه جاء كقراءة ابن عامر « ما فعلوه إلّا قليلا منهم » بالنصب مع تقدم النفي الصريح ، وقد تقدم هناك تخريج آخر لا يمكن ههنا . والثالث : أنه مستثنى منقطع على ما قدمته عن ابن شامة . وقال الزمخشري : « وفي اخراجها مع أهله روايتان : روي أنه أخرجها معهم ، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلّا هي ، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت : يا قوماه فأدركها حجر فقتلها . وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها ، وأنّ هواها إليهم ، ولم يسر بها . واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين . قال الشيخ : « 3 » « وهذا هو فاحش ، إذ بنى القراءتين على اختلاف الروايتين من أنه سرى بها أو لم يسربها ، وهذا تكاذب في الاخبار ، يستحيل أن تكون القراءتان وهما من كلام اللّه تعالى تترتبان على التكاذب قلت : وحاش للّه أن تترتب القراءتان على التكاذب ، ولكن ما قاله الزمخشري صحيح الفرض أنه قد جاء في التفسير القولان . ولا يلزم من
--> ( 1 ) سورة الحجر ، آية : ( 65 ) . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 249 ) . ( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 248 ) .