أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
104
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ . قرأ الكسائي « عمل » فعلا ماضيا ، و « غير » نصبا ، والباقون « عَمَلٌ » بفتح الميم وتنوينه على أنه اسم ، و « غَيْرُ » بالرفع . فقراءة الكسائي الضمير فيها يتعين عوده على ابن نوح ، وفاعل « عَمَلٌ » ضمير يعود عليه أيضا ، و « غَيْرُ » مفعول به ، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : عمل عملا غير صالح كقوله : وَاعْمَلُوا صالِحاً « 1 » ، وأما قراءة الباقين ففي الضمير أوجه : ، أظهرها : أنه عائد على ابن نوح ، ويكون في الإخبار عنه بالمصدر المذاهب الثلاثة في : « رجل عدل » . والثاني : أنه يعود على النداء المفهوم من قوله : « وَنادى » أي : نداءك وسؤالك وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكي ، والزمخشري ، وهذا فيه خطر عظيم ، كيف يقال ذلك في حق نبي من الأنبياء فضلا على أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد آدم - عليهما السّلام - ؟ ولما حكاه الزمخشري قال : « وليس بذاك » ولقد أصاب ، واستدل من قال بذلك أن في حروف عبد اللّه بن مسعود : « إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ » - « إن تسألني ما ليس لك به علم » وهذا مخالف للسواد . الثالث : أنه يعود على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله : « ارْكَبْ مَعَنا » . الرابع : أنه يعود على تركه الركوب ، وكونه مع المؤمنين ، أي : إن تركه الركوب مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عمل غير صالح . وعلى الأوجه الثلاثة لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويل ، لأن كليهما معنى من المعاني ، وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح عليه السّلام أي : أن نوحا قال : إنّ كونك مع الكافرين ، وتركك للركوب معنا عمل غير صالح ، بخلاف ما تقدم فإنه من قول اللّه تعالى فقط ، هكذا قاله مكي . وفيه نظر ، بل الظاهر أن الكل من كلام اللّه تعالى . وقال الزمخشري : « فإن قلت : فهلّا قيل : إنه عمل فاسد » ؟ قلت : لمّا نفاه عن أهله ، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقي معها كلمة النفي ، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى بصلاحهم لا لكونهم أهلك . قوله : فَلا تَسْئَلْنِي قرأ نافع وابن عامر « فلا تسألنّ » بتشديد النون مكسورة من « ياء » ، وابن كثير بتشديدها مع الفتح ، وأبو عمرو والكوفيون بنون مكسورة خفيفة ، و « ياء » وصلا لأبي عمرو ، ودون « ياء » في الحالين للكوفيين ، وفي الكهف : فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ « 2 » ، قراءة أبي عمرو والكوفيين كقراءتهم هنا . وافقهم ابن كثير في الكهف ، وأما نافع وابن عامر ، فلقراءتهما ، ولابن ذكوان خلاف في ثبوت الياء وحذفها ، وإنما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في الكهف ، لأن الياء في هود ساقطة في الرسم ، فكانت قراءته بفتح النون محتملة بخلاف الكهف ، فإن الباء ثابتة في الرسم فلا يوافق فيه فتحها ، وقد تقدم خلاف ابن ذكوان في ثبوت الياء في الكهف ، فمن خفف النون فهي نون الوقاية وحدها ، ومن شددها فهي نون التوكيد ، وابن كثير لم يجعل في هود للفعل متصلا بياء المتكلم ، والباقون جعلوه فلزمهم الكسر ، وقد تقدم أن « سأل » يتعدى الاثنين ، أولهما : ياء المتكلم ، والثاني : ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . قوله : أَنْ تَكُونَ على حذف حرف الجر ، أي : من أن تكون أو لأجل أن . وقوله : « ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » ، يجوز في « بِهِ » أن تتعلق ب « عِلْمٌ » . قال الفارسي : « ويكون مثل قوله : 2690 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * كان جزائي بالعصا أن أجلدا « 3 »
--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، آية : ( 51 ) . ( 2 ) آية : رقم ( 70 ) . ( 3 ) تقدم .