أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
100
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَهِيَ تَجْرِي في هذه المسألة ثلاثة أوجه : أحدهما : أنها مستأنفة أخبر اللّه تعالى عن السفينة بذلك . والثاني : أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستتر في « بِسْمِ اللَّهِ » أي : جريانها استقر باسم اللّه حال كونها جارية . والثالث : أنها حال من شيء محذوف تضمنته جمل دل عليها سياق الكلام . قال الزمخشري : « فإن قلت : بم اتصل قوله « وهي تجري بهم ؟ قلت : بمحذوف دل عليه قوله : « ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ » ، كأنه قيل : فركبوا فيها يقولون : بسم اللّه ، « وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ » . وقوله : « بِهِمْ » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق ب « تَجْرِي » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، أي : تجري ملتبسة بهم ، ولذلك فسره الزمخشري بقوله : « أي : تجري وهم فيها » . والرّسوّ : الثّبات والاستقرار ، يقال : رسا يرسو وأرسيته أنا . قال : 2682 - فصبرت نفسا عند ذلك حرّة * ترسو إذا نفس الجبان تطلّع « 1 » أي : تثبت وتستقر عندما تضطرب وتتحرك نفس الجبان . وقوله : كَالْجِبالِ صفة ل « مَوْجٍ » . قوله : نُوحٌ ابْنَهُ الجمهور على كسر تنوين نوح لإلتقاء الساكنين . وقرأ وكيع بضمة اتباعا لحركة الإعراب ، واسترذل أبو حاتم هذه القراءة ، وقال : هي لغة سوء لا تعرف . وقرأ العامة « ابْنَهُ » بوصل « ها » الكتاية بواو ، وهي اللغة الفصيحة الفاشية . وقرأ ابن عباس بسكون الهاء . قال بعضهم : هذا مخصوص بالضرورة وأنشد : 2683 - وأشرب الماء ما بي نحوه عطش * إلّا لأنّ عيوني سيل واديها « 2 » وبعضهم لا يخصه بها ، وقال ابن عطية : إنها لغة لأزد السّراة ، ومنه قوله : 2684 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * ومطواي مشتاقان لا أرقان « 3 » وقال بعضهم « 4 » : « هي لغة عقيل وبني كلاب » وقرأ السّدي « ابناه » بألف وهاء السكت . قال ابن جني : « وهو على النداء » . وقال أبو البقاء : « ابناه » على الترثي ، وليس بندبة ، لأن الندبة لا تكون بالهمزة . وهو كلام مشكل في نفسه ، وأين الهمزة هنا إن عنى همزة النداء ، فلا نسلم أن المقدر من حروف النداء هو الهمزة ، لأن النحاة نصوا على أنه لا يجوز حذف النداء من المندوب ، وهذا شبيه به ، وقرأ علي - عليه السّلام - « ابنها » إضافة إلى امرأته كأنه اعتبر قوله تعالى : « لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ » . وقوله : ابْنِي و مِنْ أَهْلِي لا يدل ، لاحتمال أن يكون ذلك لأجل الحنو . وهو قول الحسن وجماعة ، وقرأ عروة بن الزبير « ابنة » بهاء مفتوحة دون ألف ، وهي كالقراءة قبلها ، إلا أنه حذف ألف « ها » مجتزيا عنها بالفتحة كما تحذف الياء مجتزيا عنها بالكسرة . قال ابن عطية : هي لغة ، وأنشد : 2685 - أما تقول به شاة فيأكلها * أو أن تبعيه في بعض الأراكيب « 5 »
--> ( 1 ) البيت لعنترة أنظر ديوانه ( 49 ) ، وهو من شواهد البحر المحيط ( 5 / 224 ) ، روح المعاني ( 12 / 57 ) ، اللسان « صبر » « عرف » . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 226 ) . ( 5 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 271 ) ، روح المعاني ( 12 / 58 ) ، اللسان « ركب » .