أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
94
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الحال الأولى ، أو لم يجعل « عَلى أَعْقابِنا » حالا ، بل متعلّقا ب « نُرَدُّ » . والجمهور على « اسْتَهْوَتْهُ » بتاء التأنيث ، وحمزة « استهواه » ، وهو على قاعدته من الإمالة ، والوجهان معروفان مما تقدم في : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا « 1 » . وقرأ أبو عبد الرحمن ، والأعمش « استهوته الشّيطان » بتأنيث الفعل ، و « الشيطان » مفردا . قال الكسائي : وهي كذلك في مصحف ابن مسعود . وتوجيه هذه القراءة أنها تؤول المذكر بمؤنث ، كقولهم : « أتته كتابي فاحتقرها » ، أي : صحيفتي ، وتقدم له نظائر . وقرأ الحسن البصري : « الشياطون » ، وجعلوها لحنا ، ولا تصل إلى اللحن ، إلّا أنها لغة رديئة ، سمع : حول بستان فلان بساتون ، وله سلاطون . ويحكى أنه لما حكيت قراءة الحسن لحّنه بعضهم ، فقال الفراء : إي واللّه يلحنون الشيخ ، ويستشهدون بقول رؤبة ولعمري لقد صدق الفراء في إنكاره ذلك . والمراد ب « الّذي » الجنس ، ويحتمل أن يراد به الواحد الفذ . قوله : « فِي الْأَرْضِ » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه متعلّق بقوله : « اسْتَهْوَتْهُ » . الثاني : أنه حال من مفعول « اسْتَهْوَتْهُ » . الثالث : أنه حال من « حَيْرانَ » . الرابع : أنه حال من الضمير المستكن في « حَيْرانَ » ، و « حَيْرانَ » حال إمّا من هاء « اسْتَهْوَتْهُ » على أنها بدل من الأولى ، أو عند من يجيز تعددها ، وإمّا من « الّذي » ، وإمّا من الضمير المستكن في الظرف و « حَيْرانَ » مؤنثه « حيرى » ، فلذلك لم ينصرف ، والفعل : حار يحار حيرة ، وحيرانا ، وحيرورة ، قوله : « لَهُ أَصْحابٌ » جملة في محل نصب صفة ل « حَيْرانَ » ، ويجوز أن تكون حالا من الضمير في « حَيْرانَ » ، وأن تكون مستأنفة . و « إِلَى » متعلّق ب « يَدْعُونَهُ » وفي مصحف ابن مسعود ، وقراءته : « أتينا » بصيغة الماضي و « إِلَى الْهُدَى » على هذه القراءة متعلّق به . وعلى قراءة الجمهور : الجملة الأمرية في محل نصب ، بقول مضمر ، أي : يقولون : ائتنا ، والقول المضمر في محل رفع صفة ل « أَصْحابٌ » ، وكذلك « يَدْعُونَهُ » . قوله : « لِنُسْلِمَ » في هذه اللام أقوال ، أحدها - وهو مذهب سيبويه « 2 » - : أن هذه اللام بعد الإرادة والأمر وشبههما ، ومتعلّقة بمحذوف ، على أنها خبر للمبتدأ ، وذلك المبتدأ هو مصدر من ذلك الفعل المتقدم ، فإذا قلت : « أردت لتقوم ، وأمرت زيدا ليذهب » ، كان التقدير : الإرادة للقيام والأمر للذهاب ، كذا نقل الشيخ « 3 » ذلك عن سيبويه وأصحابه ، وفيه ضعف ، قد قدمته في سورة النساء عند قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ « 4 » . الثاني : أن مفعول الأمر والإرادة محذوف ، وتقديره : وأمرنا بالإخلاص لنسلم . الثالث : قال الزمخشري : هي تعليل للأمر ، بمعنى : أمرنا ، وقيل لنا : أسلمو لأجل أن نسلم . الرابع : أن اللام زائدة ، أي : أمرنا أن نسلم . الخامس : أنها بمعنى الباء ، أي : بأن نسلم . السادس : أن اللام وما بعدها مفعول الأمر ، واقعة موقع « أن » أي : أنهما يتعاقبان ، فتقول : « أمرتك لتقوم ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام ( 61 ) . ( 2 ) انظر الكتاب 3 / 161 . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 159 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 26 ) .