أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

88

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي : جرى إلى السفه ، دل عليه الصفة ، كما دل الفعل على مصدره ، أي : حتّى يخوضوا في حديث غير الخوض . قوله : يُنْسِيَنَّكَ قراءة العامة بتخفيف السين من : « أنساه » كقوله : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ « 1 » ، فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ « 2 » . وقرأ ابن عامر بتشديدها من « نسّاه » والتعدي جاء في هذا الفعل بالهمزة مرّة ، وبالتضعيف أخرى ، كما تقدم في « أنجى ، ونجّى ، وأمهل ، ومهّل » ، والمفعول الثاني محذوف في القراءتين ، تقديره : وإمّا ينسينّك الشيطان الذكر ، أو الحقّ . والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى ، أي : وإمّا ينسينّك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين ، بعد تذكرك له ، فلا تقعد بعد ذلك معهم ، وإنما أبرزهم ظاهرين تسجيلا عليهم بصفة الظلم . وجاء الشرط الأول ب « إِذا » ، لأن خوضهم في الآيات محقق ، وفي الشرط الثاني ب « إن » ، لأن إنساء الشيطان له ليس أمرا محققا ، بل قد يقع ، وقد لا يقع ، وهو معصوم منه . ولم يجئ مصدر على « فعلى » غير « ذِكْرى » . وقال ابن عطية : « و » إمّا شرط ، وتلزمها في الأغلب النون الثقيلة ، وقد لا تلزم ، كقوله : 1958 - إمّا يصبك عدوّ في مناوأة * . . . « 3 » وهذا الذي ذكره من لزوم التوكيد هو مذهب الزجاج ، والناس على خلافه وأنشدوا ما أنشده ابن عطية ، وأبياتا أخر ، ذكرتها في شرح التسهيل ، كقوله : 1959 - إمّا تريني اليوم أمّ حمز * . . . « 4 » على أني قد ضممت كثيرا من أطراف هذه المسألة في أوائل البقرة « 5 » ، إلا أن أحدا / لم يقل : يلزم توكيده بالثقيلة دون الخفيفة ، وإن كان ظاهر عبارة أبي محمد ذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 69 ] وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 ) قوله : وَما عَلَى الَّذِينَ . يجوز أن تقدر « ما » حجازية ، فيكون « مِنْ شَيْءٍ » اسمها ، و « مِنْ » مزيدة فيه لتأكيد الاستغراق و « عَلَى الَّذِينَ » خبرها عند من يجيز إعمالها مقدمة الخبر مطلقا ، أو يرى ذلك في الظرف وعديله . و « مِنْ حِسابِهِمْ » حال من « شَيْءٍ » ، لأنه لو تأخر لكان صفة له . ويجوز أن تكون مهملة ، إمّا على لغة تميم ، وإما على لغة الحجاز ، لفوات شرط ، وهو تقديم خبرها ، وإن كان ظرفا ، وتحقيق ذلك مما تقدم في قوله تعالى : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ « 6 » . قوله : وَلكِنْ ذِكْرى فيه أربعة أوجه : أحدها : أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر ، فقدّره بعضهم أمرا ، أي : ولكن ذكروهم ذكرى ، وبعضهم

--> - السفيه الذهاب دائما إلى المخالفة وعدم قبول النصح . ( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 63 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 42 ) . ( 3 ) صدر بيت وعجزه : . . . * يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر انظر تفسير القرطبي ( 7 / 11 ) ، فتح القدير ( 2 / 122 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) الآية ( 38 ) من سورة البقرة . ( 6 ) الآية ( 52 ) من سورة الأنعام .