أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

84

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أظهرهما : أنه نعت مقطوع . والثاني : أنه نعت مصدر محذوف ، أي : ردّوا الرّدّ الحقّ ، لا الباطل . وقرىء « ردّوا » بكسر الراء ، وتقدم تخريجها مستوفى . والضمير في « مَوْلاهُمُ » فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه للعباد في قوله : « فَوْقَ عِبادِهِ » ، فقوله : « وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ » التفات ، إذ الأصل : ويرسل عليهم . وفائدة هذا الالتفات : التنبيه والإيقاظ . والثاني : أنه يعود على الملائكة ، المعنيين بقوله : « رُسُلُنا » يعني : أنهم يموتون ، كما يموت بنو آدم ، ويردون إلى ربهم . والثالث : أنه يعود على « أحد » في قوله : « جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ » إذ المراد به الجمع ، لا الإفراد . قوله : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ . قرأ السبعة هذه مشددة . « قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ » قرأها الكوفيون ، وهشام بن عمار ، عن ابن عامر مشددة كالأولى . وقرأ الثنتين بالتخفيف من : « أنجى » حميد بن قيس ، ويعقوب ، وعلي بن نصر عن أبي عمرو . وتحصل من ذلك أن الكوفيين ، وهشاما يثقلون في الموضعين ، وأن حميدا ، ومن معه يخففون فيهما ، وأن نافعا وابن كثير ، وأبا عمرو ، وابن ذكوان عن ابن عامر ، يثقلون الأولى ، ويخففون الثانية والقراءات واضحة ، فإنّها من : « نجّى » و « أنجى » ، فالتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية . فالكوفيون وهشام التزموا التعدية بالتضعيف ، وحميد وجماعته التزموها بالهمزة ، والباقون جمعوا بين التعديتين جمعا بين اللغتين ، كقوله تعالى : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً « 1 » . والاستفهام للتقرير والتوبيخ ، وفي الكلام حذف مضاف ، أي : من مهالك ظلمات ، أو من مخاوفها . و « الظلمات » كتابة عن الشدائد . قوله : « تَدْعُونَهُ » في محل نصب على الحال ، إما من مفعول « يُنَجِّيكُمْ » ، وهو الظاهر ، أي : ينجيكم داعين إيّاه ، وإمّا من فاعله ، أي : مدعوّا من جهتكم . قوله : تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً يجوز فيها وجهان : أحدهما : أنهما مصدران في موضع الحال ، أي : تدعونه متضرعين ومخفين . والثاني : أنهما مصدران من معنى العالم ، لا من لفظه ، كقوله : « قعدت جلوسا » وقرأ الجمهور « خُفْيَةً » بضم الخاء . وقرأ أبو بكر بكسرها ، وهما لغتان ، كالعدوة والعدوة ، والأسوة ، والإسوة . وقرأ الأعمش : « وخفية » ، كالتي في الأعراف « 2 » ، وهي من « الخوف » قلبت الواو ياء ، لانكسار ما قبلها ، وسكونها . ويظهر على هذه القراءة أن يكون مفعولا من أجله ، لولا ما يأباه « تَضَرُّعاً » من المعنى . قوله : لَئِنْ أَنْجانا الظاهر أن هذه الجملة القسمية تفسير للدعاء قبلها . ويجوز أن تكون منصوبة على المحل على إضمار القول ، فيكون ذلك القول في محل نصب على الحال من فاعل « تَدْعُونَهُ » أي : تدعونه قائلين ذلك . وقد

--> ( 1 ) سورة الطارق ، آية ( 17 ) . ( 2 ) اية ( 205 ) .