أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

8

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجه الخامس : أنّ الكلام تم عند قوله : « فِي السَّماواتِ » فيتعلق « فِي السَّماواتِ » باسم اللّه على ما تقدم ، ويتعلق « وَفِي الْأَرْضِ » ب « يَعْلَمُ » ، وهو قول الطبري « 1 » . قال أبو البقاء : « وهو ضعيف ، لأن اللّه - تعالى - معبود في السماوات وفي الأرض ، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ، فلا تتخصص إحدى الصفتين بأحد الظرفين » . وهو رد جميل . الوجه السادس : أن « فِي السَّماواتِ » متعلّق بمحذوف ، على أنه حال من « سِرَّكُمْ » ثم قدمت الحال على صاحبها وعلى عاملها . السابع : أنه متعلق ب « تَكْسِبُونَ » وهذا فاسد من جهة أنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول ، لأن ما موصولة اسمية أو حرفية ، وأيضا فالمخاطبون كيف يكسبون في السماوات . ولو ذهب هذا القائل إلى أن الكلام تم عند قوله : « فِي السَّماواتِ » وعلق « فِي الْأَرْضِ » ب « تَكْسِبُونَ » لسهل الأمر من حيث المعنى ، لا من حيث الصناعة . الثامن : أن « اللَّهُ » خبر أول ، و « فِي السَّماواتِ » خبر ثان . قال الزمخشري : على معنى : أنه اللّه ، وأنه في السماوات وفي الأرض ، على معنى أنه عالم بما فيهما ، لا يخفى عليه شيء ، كان ذاته فيهما . قال الشيخ « 2 » : « وهذا ضعيف ، لأن المجرور بفي لا يدل على كون مفيد ، إنما يدل على كون مطلق » ، وهذا سهل الجواب لتقدمه « 3 » مرارا . التاسع : أن يكون « هُوَ » مبتدأ ، و « اللَّهُ » بدل منه ، و « يَعْلَمُ » خبره ، و « فِي السَّماواتِ » على ما تقدم . العاشر : أن يكون « اللَّهُ » بدلا أيضا ، و « فِي السَّماواتِ » الخبر ، بالمعنى الذي قاله الزمخشري . الحادي عشر : أن « هُوَ » ضمير الشأن في محل رفع بالابتداء ، والجلالة مبتدأ ثان ، وخبرها « فِي السَّماواتِ » بالمعنى المتقدم ، أو « يَعْلَمُ » ، والجملة خبر الأول ، وهو الثاني عشر مفسرا له . وأما « يَعْلَمُ » فقد عرفت من تفاصيل ما تقدم أنه يجوز أن يكون مستأنفا فلا محل له ، أو في محل رفع خبرا ، أو في محل نصب على الحال ، و « سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ » يجوز أن يكونا على بابهما من المصدرية ، ويكونان مضافين للفاعل . وأجاز أبو البقاء أن يكونا واقعين موقع المفعول به ، أي : مسروركم ومجهوركم . واستدل بقوله تعالى : يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ « 4 » . ولا دليل ، لأنه يجوز أن تكون « ما مصدرية » . و « ما » في « تَكْسِبُونَ » يحتمل أن تكون مصدرية ، وهو الأليق لمناسبة المصدرين قبلها ، وأن تكون بمعنى الذي . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) قوله : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ . . .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 73 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 73 ) . ( 3 ) انظر سورة البقرة ، آية ( 3 ) . ( 4 ) سورة النحل ، آية ( 19 ) .