أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
79
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه جمع : مفتح ، بفتح الميم ، وهو المكان ، ويؤيده تفسير ابن عباس : هي خزائن المطر . والثالث : أنه جمع « مفتاح » بكسر الميم ، والألف ، وهو الآلة أيضا ، إلا أن هذا فيه ضعف من حيث إنّه كان ينبغي أن تقلب ألف المفرد ياء ، فيقال : مفاتيح ، كدنانير ، ولكنه قد نقل في جمع « مصباح : « مصابح ، وفي جمع « محراب » : محارب ، وفي جمع « قرقورة » : قراقر . وهذا كما أتوا بالياء في جمع ما لا مدة في مفرده ، كقولهم : دراهيم ، وصياريف ، في جمع « درهم » وصيرف ، قال : 1948 - تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة * نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف « 1 » وقالوا : عيّل وعيائيل ، قال : 1949 - فيها عيائيل أسود ونمر « 2 » الأصل : عيائل ، ونمور ، فزاد في ذلك ، ونقص من هذا . وقد قرىء « مفاتيح » بالياء ، وهي تؤيد أنّ « مفاتح » جمع « مفتاح » ، وإنما حذفت مدته . وجوز الواحدي أن يكون « مَفاتِحُ » جمع « مفتح » على أنه مصدر ، قال - بعد كلام حكاه عن أبي إسحاق - : فعلى هذا « مَفاتِحُ » جمع المفتح ، بمعنى الفتح ، كأن المعنى : وعند ، فتوح الغيب ، أي : هو يفتح الغيب على من يشاء من عباده » . وقال أبو البقاء : « مَفاتِحُ » جمع « مفتح » والمفتح : الخزانة ، فأما ما يفتح به فهو المفتاح ، وجمعه : « مفاتيح » ، وقد قيل : « مفتح » أيضا انتهى » . يريد جمع « مفتح » ، أي : بفتح الميم . وقوله : وقد قيل : « مفتح » يعني أنها لغة قليلة في الآلة ، والكثير فيها المد ، وكان ينبغي أن يوضح عبارته فإنها موهمة ، ولذلك شرحتها . قوله : لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ في محل نصب على الحال من « مَفاتِحُ » ، والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الظرف لوقوعه خبرا . وقال أبو البقاء : أو نفس الظرف إن رفعت به « مَفاتِحُ » أي إن رفعته به فاعلا ، وذلك على رأى الأخفش . وتضمنه الاستقرار لا بدّ منه على كل قول ، فلا فرق بين أن ترفع به الفاعل ، أو تجعله خبرا . قوله : مِنْ وَرَقَةٍ فاعل « تَسْقُطُ » و « مِنْ » زائدة ، لاستغراق الجنس . وقوله : « إِلَّا يَعْلَمُها » حال من « وَرَقَةٍ » ، وجاءت الحال من النكرة ، لاعتمادها على النفي ، والتقدير : وما تسقط ورقة إلّا عالما هو بها ، كقولك : « ما أكرمت أحدا إلّا صالحا » . ويجوز عندي أن تكون الجملة نعتا ل « وَرَقَةٍ » ، وإذا كانوا أجازوا في قوله : إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أن يكون نعتا ل « قَرْيَةٍ » في قوله : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ « 3 » ، مع كونها بالواو معتذرين عن زيادة الواو . فإن يجيزوا ذلك ، هنا أولى ، وحينئذ فيجوز أن يكون في موضع جر على اللفظ ، أو رفع على المحل . قوله : « وَلا حَبَّةٍ » عطف على لفظ « وَرَقَةٍ » ، ولو قرىء بالرفع لكان على الموضع . و فِي ظُلُماتِ صفة ل « حَبَّةٍ » وقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ معطوفان أيضا على « وَرَقَةٍ » . وقرأها ابن السّميفع والحسن وابن أبي إسحاق بالرفع على المحل ، وهذا هو الظاهر . ويجوز أن يكونا مبتدأين ، والخبر قوله : « إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » . ونقل الزمخشري أن الرفع في الثلاثة ، أعني قوله : « ولا حبة ولا رطب ولا يابس » وذكر وجهي الرفع المتقدمين ، ونظر
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت لحكيم بن معية انظر الكتاب ( 3 / 574 ) ، المقتضب ( 2 / 201 ) ، الأشموني ( 4 / 290 ) ، المغرب ( 2 / 108 - 163 ) ، شرح شواهد الشافية ( 376 ) ، اللسان ( عيل ) استشهد به على أن ( عيائيل ) جمع عيل . ( 3 ) سورة الحجر ، آية ( 4 ) .