أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

72

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الناس » . فبناه للمفعول على قاعدة المعتزلة . وجعل ابن عطية الإشارة إلى طلب الطرد ، فإنّه قال - بعد كلام يتعلق بالتفسير - : والإشارة بذلك إلى ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة » . قال الشيخ « 1 » : « ولا ينتظم هذا التشبيه ، إذ يصير التقدير : مثل طلب الطرد فتنا بعضهم ، والمتبادر إلى الذهن من قولك : ضربت مثل ذلك المماثلة في الضرب ، أي : مثل ذلك الضرب ، لا أن تقع المماثلة في غير الضرب » . وقد تقدم « 2 » غير مرّة أن سيبويه يجعل مثل ذلك حالا من ضمير المصدر المقدر قوله : لِيَقُولُوا في هذه اللام وجهان : أظهرهما - وعليه أكثر المعربين والمفسرين - : أنها لام « كي » ، والتقدير : ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا . والثاني : أنها لام الصيرورة ، أي العاقبة ، كقوله : 1942 - لدوا للموت ، وابنوا للخراب * . . . « 3 » فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً « 4 » ، ويكون قولهم : « أَ هؤُلاءِ . . . إلى آخره » . صادرا على سبيل الاستخفاف . قوله : أَ هؤُلاءِ يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب المحل على الاشتمال ، بفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر العامل في ضميره بوساطة « على » ، ويكون المفسر من حيث المعنى ، لا من حيث اللفظ ، والتقدير : أفضل اللّه هؤلاء منّ عليهم ، أو اختارهم . ولا محل لقوله : « مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » لكونها مفسّرة . وإنما رجح هنا إضمار الفعل ، لأنه وقع بعد أداة يغلب إيلاء الفعل لها . والثاني : أنه مرفوع المحل ، على أنه مبتدأ ، والخبر « مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » . وهذا وإن كان سالما من الإضمار الموجود في الوجه الذي قبله ، إلّا أنه مرجوح لما تقدم . و « عَلَيْهِمْ » متعلق ب « مَنَّ » و « مِنْ بَيْنِنا » يجوز أن يتعلق به أيضا . قال أبو البقاء : أي : ميزهم علينا . ويجوز أن تكون حالا » . قال أبو البقاء أيضا : أي : منّ عليهم منفردين » . وهذان التفسيران تفسيرا معنى ، لا تفسيرا إعراب ، إلّا أنه لم يسقهما إلا تفسيري إعراب . والجملة من قوله : « أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ » في محل نصب بالقول . وقوله : « بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ » الفرق بين الباءين : أن الأولى لا تعلق لها ، لكونها زائدة في خبر ليس ، والثانية متعلقة بأعلم ، وتعدى العلم بها لما ضمن من معنى الإحاطة ، وكثيرا ما يقع ذلك في عبارة العلماء ، فيقولون : علم بكذا ، والعلم بكذا ، لما تقدم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 54 ] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 )

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 139 ) . ( 2 ) الآيات ( 13 - 73 - 108 ) من سورة البقرة . ( 3 ) صدر بيت لأبي العتاهية وعجزه : . . . * فكلكم يصير إلى تباب انظر الهمع ( 2 / 32 ) ، التصريح ( 2 / 12 ) ، الخزانة ( 9 / 529 ) ، الدرّر ( 2 / 31 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 351 ) . ( 4 ) سورة القصص ، آية ( 8 ) .