أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

58

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الكاف ، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ، ووقع ميم الجمع لغيرها ، كان ذلك دليلا على أن الكاف غير توكيد ، ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أريت ، فوضح بهذا انصراف الفعل إلى الكاف ، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها » . وهذا الذي قاله ابن الأنباري باطل بالكاف اللاحقة لاسم الإشارة ، فإنّها يقع عليها ميم الجمع ، ومع ذلك هي حرف . وقال الفراء : موضع الكاف نصب ، وتأويلها رفع ، لأن الفعل يتحول عن التاء إليها ، وهي بمنزلة الكاف في « دونك » إذا أغرى بها ، كما تقول : دونك زيدا ، فتجد الكاف في اللفظ خفضا ، وفي المعنى رفعا ، لأنها مأمورة ، فكذلك هذه الكاف موضعها نصب ، وتأويلها رفع » ، قلت : وهذه الشبهة باطلة بما تقدم ، والخلاف في : دونك ، وإليك ، وبابهما مشهور تقدم التنبيه عليه غير مرة . وقال الفراء أيضا كلاما حسنا رأيت أن أذكره ، فإنّه متين نافع ، قال : للعرب في « أرأيت » لغتان ، ومعنيان . أحدهما : رؤية العين ، فإذا أردت هذا عديت الرؤية بالضمير إلى المخاطب ، ويتصرف تصرف سائر الأفعال ، تقول للرجل : أرأيتك على غير هذه الحال ؟ تريد : هل رأيت نفسك ، ثم تثنى وتجمع ، فتقول : أرأيتاكما ، أرأيتكم ، أرأيتنكن . والمعنى الآخر : أن تقول : أرأيتك ، وأنت تريد معنى : أخبرني ، كقولك : أرأيتك إن فعلت كذا ما ذا تفعل ؟ أي : أخبرني ، وتترك التاء إذا أردت هذه المعنى موحدة على كل حال ، تقول : أرأيتكما ، أرأيتكم ، أرأيتكنّ ، وإنما تركت العرب التاء واحدة ، لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعا من المخاطب على نفسه ، فاكتفوا من علامة المخاطب بذكره في الكاف ، وتركوا التاء على التذكير والتوحيد ، إذا لم يكن الفعل واقعا . قال : والرؤية من الأفعال الناقصة التي يعديها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل : ظننتني ، ورأيتني ، ولا يقولون ذلك في الأفعال التامة ، لا يقولون للرجل : قتلتك ، بمعنى : قتلت نفسك ، ولا أحسنت إليك ، كما يقولون : متى تظنك خارجا ، وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يلغى ، وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه ، ألا ترى أنك تقول : أنا - أظنّ - خارج ، فتخلى « أظن » ، وقال اللّه تعالى : أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى « 1 » ، ولم يقل : رأى نفسه ، وقد جاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص ، قال جران العود : 1929 - لقد كان لي عن ضرّتين عدمتني * وعمّا ألاقي منهما متزحزح « 2 » والعرب تقول : عدمتني ، ووجدتني ، وفقدتني ، وليس بوجه الكلام انتهى . واعلم أن الناس اختلفوا في الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب ب « أرأيتك » نحو : أرأيتك زيدا ما صنع ، فالجمهور على أن « زيدا » مفعول أول ، والجملة بعده في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني . وقد تقدم أنه لا يجوز التعليق في هذه ، وإن جاز في غيرها ، من أخواتها ، نحو : علمت زيدا أبو من هو . وقال ابن كيسان : إنّ الجملة الاستفهامية في : أرأيتك زيدا ما صنع بدل من « أرأيتك » . وقال الأخفش : إنّه لا بدّ بعد « أرأيت » التي بمعنى : أخبرني ، من الاسم المستخبر عنه ، ويلزم الجملة التي بعده الاستفهام ، لأن أخبرني موافق لمعنى الاستفهام ، وزعم أيضا أنها تخرج عن بابها فتكون بمعنى : أما أو تنبه ، وحينئذ لا يكون لها مفعولان ، ولا مفعول واحد ، وجعل من ذلك : أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ « 3 » ، وهذا ينبغي ألا يجوز ، لأنه إخراج للفظة عن موضوعها من غير داع إلى ذلك .

--> ( 1 ) سورة العلق ، آية ( 7 ) . ( 2 ) انظر البيت في ابن يعيش ( 7 / 88 ) ، معاني الفراء ( 2 / 106 ) ، ابن الشجري ( 1 / 39 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 1276 ) ، الشاهد في البيت قوله « عدمتني » حيث جمع معه بين ضمير الفاعل وضمير المفعول وهما لواحد كأفعال القلوب . ( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 63 ) .