أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

514

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : هَلْ يَراكُمْ : في محل نصب بقول مضمر ، أي : يقولون : هل يراكم . وجملة القول في محل نصب على الحال . و « مِنْ أَحَدٍ » فاعل . قوله : مِنْ أَنْفُسِكُمْ : صفة ل « رَسُولٌ » ، أي : من صميم العرب . وقرأ ابن عباس ، وأبو العالية ، والضّحاك ، وابن محيصن ، ومحبوب عن أبي عمرو ، وعبد اللّه بن قسيط المكي ، ويعقوب من بعض طرقه ، وهي قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفاطمة ، وعائشة ، بفتح الفاء ، أي : من أشرفكم ، من النفاسة . قوله : « عَزِيزٌ » فيه أوجه : أحدها : أن يكون « عَزِيزٌ » صفة ل « رَسُولٌ » ، وفيه أنه تقدم غير الوصف الصريح على الوصف الصريح . وقد يجاب بأن « مِنْ أَنْفُسِكُمْ » متعلّق ب « جاء » . و « ما » يجوز أن تكون مصدرية ، أو بمعنى : « الذي » . وعلى كلا التقديرين فهي فاعل ب « عَزِيزٌ » ، أي : يعزّ عليه عنتكم ، أو الذي عنتموه ، أي : عنتم بسببه ، فحذف العائد على التدريج ، وهذا كقوله : 2576 - يسرّ المرء ما ذهب اللّيالي * وكان ذهابهنّ له ذهابا « 1 » أي : يسرّه ذهاب الليالي . ويجوز أن يكون « عَزِيزٌ » خبرا مقدما و « ما عَنِتُّمْ » مبتدأ مؤخرا ، والجملة صفة ل « رَسُولٌ » . وجوز الحوفي أن يكون « عَزِيزٌ » مبتدأ ، و « ما عَنِتُّمْ » خبره . وفيه الابتداء بالنكرة ، لأجل عملها في الجار بعدها . وتقدم معنى « العنت » . والأرجح أن يكون « عَزِيزٌ » صفة ل « رَسُولٌ » ، لقوله بعد ذلك : « حَرِيصٌ » ، فلم يجعل خبرا لغيره ، وادعاء كونه خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو حريص ، لا حاجة إليه ، و « بِالْمُؤْمِنِينَ » متعلّق ب « رَؤُفٌ » . ولا يجوز أن تكون المسألة من التنازع ، لأن من شرطه تأخر المعمول عن العاملين ، وإن كان بعضهم قد خالف ، ويجيز : « زيدا ضربت وشتمته » على التنازع . وإذا فرغنا على هذا الضعيف فيكون من إعمال الثاني ، لا الأول ، لما عرف أنه متى أعمل الأول أضمر في الثاني من غير حذف . والجمهور على جر الميم من : الْعَظِيمِ : صفة للعرش . وقرأ ابن محيصن برفعها ، جعله نعتا للرب ، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير . قال أبو بكر الأصم : « وهذه القراءة أعجب إليّ ، لأن جعل « الْعَظِيمِ » صفة للّه تعالى أولى من جعله صفة للعرش . واللّه أعلم .

--> ( 1 ) انظر مشرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 97 ) التصريح ( 1 / 268 ) الهمع ( 1 / 81 ) الدرر ( 1 / 54 ) البحر ( 5 / 118 ) .