أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

5

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قالوا « 1 » : أراد بعرق الثرى : آدم عليه السّلام لأنه أصله . قوله : « ثُمَّ قَضى . . . » إن كان قضى بمعنى أظهر ، فثمّ للترتيب الزماني على أصلها ، لأن ذلك متأخر عن خلقنا وهي صفة فعل . وإن كان بمعنى كتب وقدر فهي للترتيب في الذكر ، لأنها صفة ذات ، وذلك مقدم على خلقنا . قوله : وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ مبتدأ وخبر ، وسوغ الابتداء هنا شيئان : أحدهما : وصفه . والثاني : عطفه ، ومجرد العطف من المسوّغات . قال : 1868 - عندي اصطبار ، وشكوى عند قاتلتي * فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا « 2 » ؟ والتنكير في الأجلين للإبهام . وهنا مسوّغ آخر ، وهو التفصيل ، كقوله : 1869 - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشقّ ، وشقّ عندنا لم بحوّل « 3 » ولم يجب هنا تقديم الخبر ، وإن كان المبتدأ نكرة ، والخبر ظرفا . قال الزمخشري : « لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة » . وقال الشيخ « 4 » : « وهذا الذي ذكره من كونه مسوّغا للابتداء بالنكرة لكونها وصفت لا يتعين ، لجواز أن يكون المسوّغ التفصيل . ثم أنشد البيت : 1870 - إذا ما بكى . . . * . . . « 5 » قلت : الزمخشري لم يقل : أنه يتعين ذلك ، حتى يلزمه به ، وإنما ذكر أشهر المسوّغات ، فإنّ العطف والتفصيل قلّ من يذكرهما في المسوّغات . قال الزمخشري : « فإن قلت : الكلام السائر أن يقال : عندي ثوب جيّد ، ولى عبد كيّس ، فما أوجب التقديم ؟ . قلت : أوجبه أن المعنى : وأيّ أجل مسمّى عنده ، تعظيما لشأن الساعة ، فلما جرى فيه هذا المعنى أوجب التقديم » . قال الشيخ « 6 » : « وهذا لا يجوز ، لأنه إذا كان التقدير : وأيّ أجل مسمّى عنده ، كانت أيّ صفة لموصوف محذوف تقديره : وأجل أيّ أجل مسمّى عنده ، ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أيّا ، ولا حذف موصوفها وإبقاؤها لو قلت : مررت بأيّ رجل تريد : برجل أي رجل ، لم يجز » . قلت : ولم أدر كيف يؤاخذ من فسّر معنى بلفظ ، لم يدع أنّ ذلك اللفظ هو أصل الكلام المفسر ، بل قال : معناه : كيت وكيت . فكيف يلزمه أن يكون ذلك الكلام الذي فسر به هو أصل ذلك المفسر ، على أنه قد ورد حذف موصوف أي وإبقاؤها كقوله : 1871 - إذا حارب الحجّاج أيّ منافق * علاه بسيف كلّما هزّ يقطع « 7 » قوله : « ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ » قد تقدم الكلام على ثمّ هذه وتمترون تفتعلون من المرية . وتقدم معناها في البقرة ، قوله : مِنَ الْمُمْتَرِينَ « 8 » . وجعل الشيخ « 9 » هذا من باب الالتفات ، أعني قوله : « خَلَقَكُمْ . . . ثُمَّ أَنْتُمْ

--> - عرق الثرى : هادة التراب في الأرض . وشجت عروقي : اتصلت وتغلغلت وتشابكت والتفت . ( 1 ) البحر المحيط ( 4 / 70 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 71 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 71 ) . ( 7 ) تقدم . ( 8 ) سورة البقرة ، آية ( 147 ) . ( 9 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 71 ) .