أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
478
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بما يخبرونه به . وقال أبو البقاء : « واللام في لِلْمُؤْمِنِينَ زائدة دخلت لتفرّق بين « يُؤْمِنُ » بمعنى يصدّق ، وبين يؤمن بمعنى يثبت الإيمان » . قوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ : إنما أفرد الضمير في « يُرْضُوهُ » ، وإن كان الأصل في العطف بالواو المطابقة لوجوه : أحدها : أنّ رضا اللّه ورسوله شيء واحد : من أطاع الرسول فقد أطاع [ اللّه ] « 1 » ، إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ « 2 » ، فلذلك جعل الضميرين ضميرا واحدا منبهة على ذلك . والثاني : أن الضمير عائد على المثنى بلفظ الواحد بتأويل « المذكور » كقول رؤبة : 2526 - فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق « 3 » أي : كأن ذاك المذكور . وقد تقدّم لك بيان هذا في أوائل البقرة . الثالث : قال المبرد : في الكلام تقديم وتأخير تقديره : واللّه أحقّ أن يرضوه ورسوله . قلت : وهذا على رأي من يدّعي الحذف من الثاني . الرابع : وهو مذهب سيبويه أنه حذف خبر الأول وأبقى خبر الثاني . وهو أحسن من عكسه وهو قول المبرد ، لأن فيه عدم الفصل بين المبتدأ أو خبره ، ولأن فيه أيضا الإخبار بالشيء عن الأقرب إليه ، وأيضا فهو متعيّن في قول الشاعر : 2527 - نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف « 4 » أي : نحن راضون ، حذف « راضون » لدلالة خبر الثاني عليه . قال ابن عطية : « مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها » . قال الشيخ « 5 » : « إن كان الضمير في « أنهما » عائدا على كلّ واحدة من الجملتين فكيف يقول « حذفت الأولى » والأولى لم تحذف ، إنما حذف خبرها ، وإن كان عائدا على الخبر وهو « أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » فلا يكون جملة إلا باعتقاد أن يكون أن يرضوه » مبتدأ وخبره « أَحَقُّ » مقدّما عليه ، ولا يتعيّن هذا القول إذ يجوز أن يكون الخبر مفردا بأن يكون التقدير : أحقّ بأن ترضوه » . قلت : إنما أراد أبو محمد التقدير الأول وهو المشهور عند المعربين : يجعلون « أَحَقُّ » خبرا مقدما ، و « أَنْ يُرْضُوهُ » مبتدأ مؤخرا : واللّه ورسوله إرضاؤه أحقّ ، وقد تقدّم تحرير هذا قريبا في قوله : فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ » . و إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ شرط جوابه محذوف أو متقدم . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 63 إلى 65 ] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( 63 ) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ( 64 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ( 65 )
--> ( 1 ) سورة النساء آية ( 80 ) . ( 2 ) سورة الفتح آية ( 10 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 64 ) .