أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
467
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ الأعمش وزيد بن علي « لو استطعنا » بضم الواو ، كأنهما فرّا من الكسرة على الواو ، وإن كان الأصل ، وشبّها واو « لَوْ » بواو الضمير كما شبّهوا واو الضمير بواو « لَوْ » ، حيث كسروها نحو « اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ » * لالتقاء الساكنين . وقرأ الحسن « اشتروا الضلالة » ، و « لو استطعنا » بفتح الواو تخفيفا . قوله : يُهْلِكُونَ في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أنها حال من فاعل « سَيَحْلِفُونَ » ، أي : سيحلفون مهلكين أنفسهم . والثاني : أنها بدل من الجملة قبلها وهي « سَيَحْلِفُونَ » . الثالث : أنها حال من فاعل « لَخَرَجْنا » . وقد ذكر الزمخشري هذه الأوجه الثلاثة ، فقال : « يُهْلِكُونَ : إمّا أن يكون بدلا من « سَيَحْلِفُونَ » أو حالا بمعنى مهلكين . والمعنى : أنهم يوقعون في الهلاك أنفسهم بحلفهم الكاذب . ويحتمل أن يكون حالا من فاعل « خرجنا » ، أي : لخرجنا وإن أهلكنا أنفسنا . وجاء بلفظ الغائب لأنه مخبر عنهم ، ألا ترى أنه لو قيل : سيحلفون باللّه لو استطاعوا لخرجوا لكان سديدا ، يقال : حلف باللّه ليفعلن ولأفعلن ، فالغيبة على حكم الإخبار ، والتكلم على الحكاية » . قال الشيخ : « أمّا كون « يُهْلِكُونَ » بدلا من « سَيَحْلِفُونَ » فبعيد ؛ لأنّ الإهلاك ليس مرادفا للحلف ولا هو نوع منه ، ولا يبدل فعل من فعل إلا إن كان مرادفا له أو نوعا منه » قلت : يصحّ البدل على معنى أنه بدل اشتمال ؛ وذلك لأنّ الحلف سبب للإهلاك فهو مشتمل عليه ، فأبدل المسبّب من سببه لاشتماله عليه ، وله نظائر كثيرة منها قوله : 2506 - إنّ عليّ اللّه أن تبايعا * تؤخذ كرها أو تجيء طائعا « 1 » ف « تؤخذ » بدل من « تبايع » بدل اشتمال بالمعنى المذكور ، وليس أحدهما نوعا من الآخر . ثم قال الشيخ : « وأمّا كونه حالا من قوله « لَخَرَجْنا » [ فالذي يظهر أن ذلك لا يجوز لأنّ قوله « لَخَرَجْنا » ] فيه ضمير المتكلم ، فالذي يجري عليه إنما يكون بضمير المتكلم ، فلو كان حالا من فاعل « لَخَرَجْنا » لكان التركيب : نهلك أنفسنا أي مهلكي أنفسنا . وأمّا قياسه ذلك على « حلف زيد ليفعلن » و « لأفعلنّ » فليس بصحيح ؛ لأنّه إذا أجراه على ضمير الغيبة لا يخرج منه إلى ضمير المتكلم ، لو قلت : « حلف زيد ليفعلن وأنا قائم » على أن يكون « وأنا قائم » حالا من ضمير « ليفعلن » لم يجز ، وكذا عكسه نحو : « حلف زيد لأفعلن يقوم » تريد : قائما لم يجز . وأمّا قوله « وجاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم » فمغالطة ، ليس مخبرا عنهم بقوله « لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا » ، بل هو حاك لفظ قولهم . ثم قال : « ألا ترى لو قيل : لو استطاعوا لخرجوا لكان سديدا إلى آخره » كلام صحيح لكنه تعالى لم يقل ذلك إخبارا عنهم ، بل حكاية ، والحال من جملة كلامهم المحكيّ ، فلا يجوز أن يخالف بين ذي الحال وحاله لاشتراكهما في العامل . لو قلت : « قال زيد خرجت يضرب خالدا » تريد : أضرب خالدا ، لم يجز . ولو قلت : « قالت هند : خرج زيد اضرب خالدا » تريد : خرج زيد ضاربا خالدا لم يجز » انتهى . الرابع : أنها جملة استئنافية أخبر اللّه عنهم بذلك .
--> ( 1 ) تقدم .